أزمة سبتة… اختبار الدبلوماسية الموازية

عبد الرفيع حمضي
عندما تقع أزمة بين دولتين، من الطبيعي أن تتجه الأنظار إلى وزارتي الخارجية والسفارات، بحثا عن أسبابها ومواقف الأطراف منها، وعن حدود التصعيد وإمكانات التهدئة. فتلك مسؤولية الدبلوماسية الرسمية، وهي التي تتحدث باسم الدولة وتدبر علاقاتها الخارجية. أما الدبلوماسية الموازية فلها زمن آخر ووظيفة أخرى: في زمن الهدوء تبني العلاقات وتراكم الثقة، وفي زمن الأزمة تستثمر ما راكمته للمحافظة على الجسور والمساهمة في تخفيف التوتر.
وتزداد أهمية هذه الدبلوماسية، للمفارقة، عندما تتوتر العلاقات بين الدول. فالدبلوماسية الرسمية تكون عندئذ مطالبة بحساب كل كلمة وخطوة، لأنها تتحرك تحت سقف اعتبارات السيادة والأمن والمصالح والتحالفات والتوازنات الجيوستراتيجية. وقد يصبح الصمت نفسه موقفا دبلوماسيا محسوبا. أما الدبلوماسية الموازية فلا تتحمل الثقل نفسه، ولذلك تملك هامشا أوسع للحركة والاتصال والاستماع وشرح المواقف.
ومن هنا بدأ التمييز في العلاقات الدولية بين الدبلوماسية الرسمية التي تقودها الحكومات ووزارات الخارجية، وبين الدبلوماسية الموازية التي يتحرك من خلالها فاعلون آخرون خارج الجهاز الدبلوماسي الرسمي. وأطلق الباحثون على الأولى «المسار الأول» وعلى الثانية «المسار الثاني» ثم اتسع المفهوم إلى «الدبلوماسية متعددة المسارات» بعدما أصبح الحزب والبرلمان والنقابة والجامعة والمقاولة والمجتمع المدني والإعلام، كل من موقعه، قادرا على بناء علاقات خارج الحدود والتأثير فيها.
ومن هذه الزاوية تحديدا، تطرح أحداث 30 و31 يوليوز عند باب مدينة سبتة المحتلة وما رافقها من تدفق للمهاجرين وتوتر في العلاقات المغربية الإسبانية، سؤالا عن تلك الجسور التي يفترض أنها بنيت في زمن الهدوء: أين كانت عندما جاءت الأزمة؟
أين الأحزاب المغربية من نظيراتها الإسبانية ومن العائلات السياسية الأوروبية التي تنتمي إليها؟ أين الاشتراكيون والليبراليون والمحافظون من شبكاتهم السياسية؟ وأين النقابات من المركزيات الإسبانية؟ أين المجتمع المدني والجامعات والفاعلون الاقتصاديون؟ وأين، قبل الجميع، الدبلوماسية البرلمانية ومجموعات الصداقة واللجان الثنائية؟
ليس المطلوب أن تتحدث هذه الأطراف باسم الدولة، فهذا ليس دورها. المطلوب أن تستثمر ما راكمته من علاقات لكي تشرح وتستمع وتصحح سوء الفهم وتحافظ على جسور الاتصال. فالبرلماني يستطيع أن يتحدث إلى برلماني، والحزب إلى نظيره، والنقابي إلى النقابي، والجامعي والاقتصادي والحقوقي إلى نظرائهم، دون أن تتحول كل كلمة إلى موقف رسمي يلزم الدولة.
وهنا يطرح السؤال حول معنى «الموازية» نفسها. فالدبلوماسية الموازية، بحكم طبيعتها، تملك هامشا للمبادرة وتتحرك من خلال علاقاتها، مع احترام المصالح العليا للدولة. أما إذا ظلت تنتظر الإشارة لتتحرك، ثم تكرر بلغة أخرى ما تقوله الدبلوماسية الرسمية، فإنها تفقد جزءا من وظيفتها ومن معنى تسميتها. فإذا كانت تحتاج في كل أزمة إلى الضوء الأخضر، فماذا بقي من صفة «الموازية»؟
طبعا، الاستقلال لا يعني الفوضى، ولا يمكن أن تكون للدولة سياستان خارجيتان في قضية استراتيجية. لكن هناك فرقا بين وحدة الموقف وتعدد القنوات: الأولى ضرورة للدولة، والثانية مصدر قوة لها.
لقد راكم المغرب خلال سنوات رأسمالا مهما من العلاقات الحزبية والبرلمانية والنقابية والجمعوية والاقتصادية مع إسبانيا وأوروبا. لكن الرأسمال الدبلوماسي، مثل أي رأسمال، لا تكفي حيازته، بل ينبغي معرفة متى وكيف يستثمر.
ومن هنا، فإن أزمة سبتة تستحق أن تكون مناسبة للتقييم .ما فائدة من مجموعات الصداقة والشراكات والشبكات الدولية إذا لم تتحول، عند الحاجة، إلى قنوات اتصال وتأثير وتهدئة؟
فالدبلوماسية الموازية ليست صورة جماعية في نهاية مؤتمر، ولا سفرا إلى الخارج، ولا بلاغا بعد العودة. إنها تبني في زمن الهدوء ما تحتاج إليه في زمن الأزمة.
وبين ما يقال وما لا يقال، لعل سؤال سبتة ليس أين دبلوماسيتنا الموازية فقط، بل سؤال هل بنينا فعلا مسارا ديبلوماسيا ثانيا… أم اكتفينا بتسمية الطريق؟




