سنوات الرصاص الانتخابي … فاس ونتيجة دار البريهي

عبد الرفيع حمضي

من وزان إلى فاس ، ثلاث سنوات فقط تفصل بين الحكايتين . في سنة 1987 ، أجريت انتخابات تشريعية جزئية بدائرة فاس المدينة وكان مرشح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حينها الأخ محمد جوهر ، الكاتب الإقليمي للحزب آنذاك أطال الله في عمره .
شاركت إلى جانب عدد من الإخوة والأخوات في الحملة الانتخابية. كانت حملة حماسية ، وكان التجاوب الذي لمسناه في الشارع ومع المواطنين يجعلنا ننتظر يوم الاقتراع بكثير من الأمل.
انتهى التصويت ، وبدأ انتظار النتائج.
اجتمع عدد من المناضلين في مقر الحزب بأحمد أمين. وكان ممثلو المرشح في مكاتب التصويت يعودون تباعا ؛ بعضهم يحمل نسخة من محضر المكتب ، وبعضهم بدون . لم يسلم لهم .
وفي مقر العمالة حيث المكتب المركزي ، كان ممثل الاتحاد الاشتراكي يتابع عملية تجميع النتائج وينتظر وصول المحاضر من مختلف مكاتب التصويت.
كان الترتيب ، كما يفترض أن يكون بسيطا : يصوت الناخبون ، تفرز الأصوات ، تحرر المحاضر ، تجمع النتائج ، ثم يعرف الفائز.
لكن تلك الليلة علمتني أن الترتيب يمكن أن يكون مختلفا.
فبينما كان ممثل الحزب في مقر العمالة بالمكتب المركزي لجمع المتائج ( الولاية حاليا) لا يزال ينتظر وصول المحاضر ، أعلنت القناة التلفزيونية الوحيدة آنذاك ، من دار البريهي ، فوز المرشح المنافس.(ع.ت) شافاه الله
نظر بعضنا إلى بعض بتعجب!
كيف عرفت التلفزة النتيجة التي لم تكن محاضرها قد اكتملت بعد في المكان الذي يفترض أن تعلن منه ( المكتب المركزي بعمالة فاس) ؟
مرت على تلك الليلة قرابة أربعين سنة ولا أستعيدها اليوم للطعن في نتيجة مضت ، ولا لمساءلة أشخاص أصبحوا جزءا من ذاكرة مرحلة ، وإنما لأن السؤال الذي تركته عندي أكبر من انتخابات جزئية في فاس وأبقى من أسماء الذين تنافسوا فيها.
إنه سؤال المسار والتقدم.
فالديمقراطية، في معناها الحديث ، ليست وصفة جاهزة، ولا محطة نهائية تصل إليها المجتمعات ثم تطمئن إلى أنها أصبحت ديمقراطية إلى الأبد . إنها مسار تراكمي: مؤسسات تبنى ، وضمانات تترسخ ، وممارسات تتغير ، ومكتسبات يفترض أن تصبح مع الزمن جزءا من القاعدة لا موضوعا للتفاوض في كل مرة.
ولهذا لا تقاس التجارب الديمقراطية فقط بما وصلت إليه، وإنما أيضا بالاتجاه الذي تسير فيه.
هل تضيف كل مرحلة شيئا إلى التي سبقتها؟ هل يصبح ما كان مطلبا بالأمس حقا مستقرا اليوم؟ وهل تتحول الأخطاء التي كشفها المجتمع إلى إصلاحات تمنع تكرارها؟ أم نبقى ندور حول الأسئلة نفسها، وربما نتراجع أحيانا عما اعتقدنا أننا تجاوزناه؟
وهذا هو السؤال الذي يهمني في تجربتنا الوطنية.
لقد مرت بلادنا بمراحل انتخابية متعددة، وتغيرت القوانين والمؤسسات والممارسات، وتراكمت تجارب وإصلاحات وضمانات لم تكن موجودة في مراحل سابقة. ومن الظلم لهذا المسار أن نتعامل معه وكأن شيئا لم يتغير، مثلما سيكون من الخطأ أن نعتبر أن ما تحقق يعفينا من السؤال والنقد.
فالمسار الديمقراطي لا يحتاج فقط إلى الاعتراف بما تحقق، بل إلى اليقظة حتى لا يصبح التقدم مجرد ذكرى.
ولذلك، حين أعود إلى ليلة فاس سنة 1987، لا أقارنها بانتخابات اليوم لأصدر شهادة نجاح أو رسوب. أستعملها فقط كنقطة قديمة على الطريق أقيس منها المسافة.
يومها انتظرنا المحاضر، فسبقتنا النتيجة إلى شاشة التلفزة.
واليوم، بعد قرابة أربعين سنة، لا يهم كثيرا أن نسأل من أعلنها وكيف أعلنت.
الأهم أن نسأل أنفسنا: كم ابتعدنا عن تلك الليلة؟
وبين ما يقال وما لا يقال… في الديمقراطية لا يكفي أن يتحرك الزمن، المهم أن نتحرك معه إلى الأمام.




