سياسة

حمى الترحال السياسي وحرب التزكيات… حين تتحول الانتخابات إلى “سوق مفتوح” يهدد الثقة في السياسة

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المرتقبة خلال شهر شتنبر المقبل، تعيش الساحة السياسية الوطنية على وقع حراك غير مسبوق، تجاوز في كثير من الأحيان منطق التنافس الديمقراطي الطبيعي، ليدخل مرحلة توصف لدى متتبعين بـ”الفوضى السياسية” التي يغذيها سباق محموم نحو التزكيات، وترحال انتخابي متسارع، وتحالفات ظرفية لا تؤطرها قناعة سياسية ولا مشروع مجتمعي واضح.

فما يجري اليوم داخل عدد من الأحزاب السياسية، لم يعد مجرد إعادة تموقع عادية تسبق الانتخابات، بل تحول إلى ما يشبه “حرب التزكيات”، حيث أصبح بعض المنتخبين والوجوه السياسية يتنقلون بين الأحزاب بسرعة لافتة، بحثا عن “المقعد المضمون” أو “اللون الانتخابي الأكثر حظا”، في مشهد يطرح أسئلة عميقة حول مصداقية الخطاب الحزبي، وجدوى الانتماء السياسي، وحدود الأخلاق في الممارسة الانتخابية.

إن أخطر ما في هذا المشهد، ليس فقط الترحال السياسي في حد ذاته، بل ما يرافقه من حديث متزايد عن مفاوضات سرية، وضغوط داخلية، ووعود بالتزكيات، بل وحتى شبهات توظيف المال والنفوذ لإعادة ترتيب الخرائط الانتخابية قبل أشهر من الاقتراع. وهو ما يهدد بتحويل العملية الديمقراطية من فضاء للتنافس حول البرامج والرؤى إلى “سوق انتخابي” تتحكم فيه الحسابات المالية والمصالح الشخصية أكثر مما تحكمه الكفاءة أو القرب من انتظارات المواطنين.

وفي هذا السياق، تبدو مدينة الدار البيضاء نموذجا صارخا لما يجري خلف الكواليس. فالمدينة الاقتصادية للمملكة تعرف هذه الأيام حركية سياسية غير مسبوقة، عنوانها الأبرز: صراع خفي وعلني حول التزكيات، وسباق محموم لاستقطاب الأعيان وأصحاب النفوذ الانتخابي، في مشهد يختلط فيه السياسي بالمالي، والحزبي بالبراغماتي، إلى درجة أصبحت معها بعض المقرات الحزبية أشبه بغرف مفاوضات انتخابية مفتوحة.

ويرى متابعون أن استمرار هذا الوضع دون تدخل حازم من الجهات المختصة، ومن الهيئات المكلفة بتأطير الحياة السياسية، قد يسيء بشكل مباشر إلى صورة المؤسسات المنتخبة، ويعمق أزمة الثقة التي يعيشها المواطن تجاه الفاعل الحزبي. فحين يصبح الحزب مجرد “محطة عبور”، والتزكية مجرد “وثيقة عبور انتخابية”، فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه: من يمثل المواطن فعلا؟ الحزب أم المصالح؟

لقد أصبح من الضروري اليوم فتح نقاش وطني جدي حول ظاهرة الترحال السياسي، وتشديد المراقبة على مساطر منح التزكيات، وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل التنظيمات الحزبية، حماية لسمعة المسار الديمقراطي، وصونا لصورة المغرب الذي راكم تجربة سياسية ومؤسساتية لا ينبغي أن تسيء إليها ممارسات انتخابوية ضيقة.

فالرهان الحقيقي في أي انتخابات ليس عدد المقاعد فقط، بل الحفاظ على ثقة المواطن في السياسة، لأن أخطر ما يمكن أن تخسره الدول ليس الانتخابات… بل إيمان الناس بجدواها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى