الرأي

فعالية السياسات العمومية الاجتماعية على المستوى المحلي

مقاربة ترابية لمشاريع التنمية الاجتماعية بعمالة ابن امسيك

 

بقلم: برباش مصطفى

باحث في الشأن المحلي

 

أضحى موضوع الدولة الاجتماعية من أبرز التحولات التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد اعتماد دستور المملكة المغربية لسنة 2011 وإطلاق مجموعة من الأوراش الاجتماعية الكبرى المرتبطة بالحماية الاجتماعية والتنمية البشرية وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وفي هذا السياق، برزت الجماعات الترابية والعمالات باعتبارها فاعلا أساسيا في تنزيل السياسات العمومية الاجتماعية على المستوى المحلي، من خلال تنفيذ مشاريع تستهدف الفئات الهشة وتعزيز الإدماج الاجتماعي وتحسين ظروف العيش.

وتقع عمالة ابن امسيك بالجهة الشرقية لمدينة الدار البيضاء ضمن جهة الدار البيضاء-سطات، وتتميز بكثافة سكانية مرتفعة وطابع حضري شعبي، حيث تضم مجموعة من الأحياء ذات الامتداد العمراني والاجتماعي المتنوع، وتبلغ مساحة العمالة حوالي 10.27 كيلومتر مربع، فيما بلغ عدد سكانها حوالي 207 ألف نسمة وفق نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، وهو ما يعكس حجم الضغط الديمغرافي والاجتماعي الذي تعرفه المنطقة.

وعرفت العمالة خلال السنوات الأخيرة دينامية تنموية واجتماعية مهمة، خاصة في مجال التأهيل الحضري وتقوية البنيات الاجتماعية والثقافية والرياضية، بما ينسجم مع أهداف الدولة الاجتماعية ومبادئ التنمية البشرية، وقد ساهمت المقاربة الترابية المعتمدة في تعزيز القرب الاجتماعي والاستجابة لحاجيات الساكنة المحلية، من خلال إطلاق عدد من المشاريع الاجتماعية في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أو عبر شراكات جمعت السلطات المحلية والجماعات الترابية ومؤسسات الدولة وفعاليات المجتمع المدني.

كما شهدت العمالة تحولات مجالية واجتماعية مهمة في إطار برامج إعادة الهيكلة الحضرية ومحاربة السكن غير اللائق، حيث كانت ضمن العمالات الثمانية التي تم فيها القضاء على دور الصفيح، الأمر الذي ساهم في تحسين ظروف العيش والحد من مظاهر الهشاشة والإقصاء الاجتماعي، إلى جانب إعادة تأهيل المجال الحضري وتقوية البنيات الأساسية الاجتماعية والصحية والثقافية والرياضية.

وتسعى هذه المقالة إلى إبراز مدى فعالية هذه المشاريع في تحقيق التنمية الاجتماعية محليا، مع الوقوف عند أهم التحولات التي شهدتها العمالة على مستوى البنيات الأساسية والخدمات الاجتماعية.

أولا: المقاربة الترابية وأدوار الدولة الاجتماعية محليا

تقوم الدولة الاجتماعية على ضمان العدالة الاجتماعية وتحقيق تكافؤ الفرص وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية، وهو ما يقتضي اعتماد سياسات عمومية قادرة على الاستجابة للحاجيات الحقيقية للمواطنين وفق خصوصيات كل مجال ترابي.

وفي هذا الإطار، أصبحت المقاربة الترابية آلية مركزية في تنزيل السياسات العمومية، بالنظر إلى الدور الذي أصبحت تضطلع به الجماعات الترابية والعمالات في مجال التنمية المحلية والحكامة الترابية، خاصة بعد تعزيز مبادئ الديمقراطية التشاركية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وتبرز أهمية هذه المقاربة في قدرتها على تشخيص الحاجيات الاجتماعية وتوجيه المشاريع نحو الفئات الأكثر هشاشة، مع تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين المؤسساتيين والجمعويين.

ثانيا: عمالة ابن امسيك كنموذج للتنمية الاجتماعية المحلية

عرفت عمالة ابن امسيك تحولات اجتماعية ومجالية مهمة خلال السنوات الأخيرة، حيث برزت كنموذج محلي في مجال التنمية الاجتماعية والتأهيل الحضري.

ومن أبرز المؤشرات التي تعكس هذا التحول، مساهمة العمالة ضمن العمالات الثمانية التي تم فيها القضاء على دور الصفيح، وهو ما ساهم في تحسين ظروف العيش ومحاربة مظاهر الهشاشة والإقصاء الاجتماعي، إضافة إلى إعادة تأهيل المجال الحضري وتقوية البنيات الأساسية.

كما شهدت العمالة تعزيزا للبنيات الاجتماعية والثقافية والرياضية، من خلال إحداث وتجهيز مجموعة من المرافق العمومية، من أبرزها مسرح ابن امسيك الذي يساهم في تنشيط الحياة الفنية والثقافية، ومسبح ابن امسيك الذي يشكل متنفسا رياضيا وترفيهيا لفائدة الشباب والأطفال، إضافة إلى قاعدة الملاكمة ابن امسيك التي ساهمت في تشجيع الممارسة الرياضية واكتشاف المواهب.

كما عرفت العمالة انتشار ملاعب القرب والفضاءات الرياضية داخل الأحياء الشعبية، وإحداث حدائق ومنتزهات عمومية لتحسين جودة العيش، فضلا عن تعزيز العرض الصحي عبر المستشفى الإقليمي ومراكز القرب الصحية، ودعم دور الشباب ومراكز التكوين والتأطير الاجتماعي.

وتم كذلك إحداث متحف قدماء المقاومة وأعضاء جيش التحرير بابن امسيك، الذي يساهم في ترسيخ الذاكرة الوطنية وتعزيز قيم المواطنة والهوية الوطنية لدى الأجيال الصاعدة، إضافة إلى دوره الثقافي والتربوي داخل المجال الترابي للعمالة.

وقد ساهمت هذه البنيات والتجهيزات الاجتماعية والثقافية والرياضية في تعزيز القرب الاجتماعي وتحسين جودة الخدمات العمومية المقدمة للساكنة، خاصة داخل الأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة، كما عكست توجها نحو اعتماد مقاربة تنموية مندمجة تقوم على تقوية الرأسمال البشري وتحسين شروط الإدماج الاجتماعي.

وفي إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، تم إطلاق عدد من المشاريع الاجتماعية الموجهة للفئات الهشة، خاصة النساء في وضعية صعبة، والأطفال المنقطعين عن الدراسة، والشباب حاملي المشاريع، وذلك بهدف تعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي وتحسين ظروف العيش.

وقد ارتبطت هذه الدينامية، بحسب عدد من المتتبعين المحليين، بمرحلة تدبيرية عرفت إطلاق مشاريع اجتماعية وتنموية متعددة منذ تعيين محمد نشطي على رأس العمالة، حيث تم التركيز على القرب الاجتماعي وتحسين الخدمات العمومية وتقوية البنيات الأساسية وتعزيز الشراكات مع مختلف الفاعلين المحليين.

ورغم الظروف الاستثنائية التي فرضتها جائحة كوفيد-19، فإن المشاريع التنموية والاجتماعية داخل العمالة لم تتوقف، بل استمرت بشكل متواز مع التدابير الوقائية الرامية إلى الحفاظ على سلامة المواطنين واحترام إجراءات التباعد والاحتراز الصحي، كما شهدت المرحلة تعبئة ميدانية مهمة لتقديم الدعم والمساعدات للفئات الأكثر هشاشة والمتضررة من تداعيات الجائحة، وهو ما عكس أهمية البعد الاجتماعي والقرب الميداني في تدبير الأزمات الاجتماعية والصحية.

ثالثا: حدود فعالية السياسات العمومية الاجتماعية محليا

رغم أهمية هذه المشاريع والنتائج الإيجابية التي حققتها، فإن فعالية السياسات العمومية الاجتماعية على المستوى المحلي ما تزال تواجه مجموعة من التحديات، من أبرزها محدودية الموارد المالية مقارنة بتزايد الحاجيات الاجتماعية، واستمرار بعض مظاهر الهشاشة داخل بعض الأحياء، وضعف الالتقائية بين مختلف البرامج الاجتماعية، إضافة إلى الحاجة إلى تطوير آليات التتبع والتقييم وقياس الأثر الاجتماعي للمشاريع، إلى جانب محدودية إشراك الساكنة المحلية في بلورة وتتبع البرامج التنموية.

كما أن استدامة بعض المشاريع الاجتماعية تظل مرتبطة بتوفير الدعم المالي والمؤسساتي الكافي، وتعزيز الحكامة الترابية والتنسيق بين مختلف الفاعلين.

ويتضح مما سبق أن عمالة ابن امسيك تمثل نموذجا محليا مهما في مجال تنزيل السياسات العمومية الاجتماعية وفق مقاربة ترابية ترتكز على القرب وتحسين جودة الخدمات والبنيات الأساسية، وقد ساهمت المشاريع المنجزة في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والشراكات المحلية في تعزيز التنمية الاجتماعية وتحسين ظروف عيش الساكنة.

غير أن تحقيق فعالية أكبر لهذه السياسات يظل رهينا بتعزيز الحكامة الترابية، وضمان استدامة المشاريع الاجتماعية، وتقوية آليات التقييم والتنسيق، بما ينسجم مع أهداف الدولة الاجتماعية وتحقيق العدالة المجالية والتنمية المستدامة.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى