حارس الأمن الخاص: سلبوه أمنه في الرخاء ويحمي أمن غيره في الشدة…

0

•محمد الشمسي
ظهرت مهنة الأمن الخاص أواسط التسعينيات من القرن المنصرم، عندما شرع بعض المتقاعدين من مختلف القطاعات لاسيما من سلك الشرطة أو الجندية في تأسيس شركات “تتاجر” في “خدمات” هؤلاء الشباب، حيث تبرم عقودا مع مؤسسات عامة وخاصة، تزودها بعدد من الحراس من ذوي الطول الفارع، والبنية القوية والبذل الأنيقة، ليقفوا على أبوابها يمنحونها هيبة ونظاما، وقد تتطور مهامهم لدى البعض الآخر إلى ما يشبه “الكونسييرج”، أو “العساس” أو “الخادم” أو ” جالب السخرة”، مقابل مبالغ مالية تتلقاها الشركة الأم من المؤسسة، ويتسلم منها الحارس المعني نسبة الثلث ويذهب الثلثان الى جيب “مول الشركة”، الذي يعقل حارس الأمن الخاص بعقد عمل مجحف البنود، حيث الهبوط الحاد عن الحد الأدنى للأجر، مع الرفع اللاإنساني واللاقانوني لساعات العمل، وفي ظروف يقل فيها الجلوس ويكثر فيها الوقوف، وحيث مدة العقد لا تسعف حارس الأمن الخاص في المطالبة بتعويض عن كل طرد تعسفي يطاله، وحيث يجري تكسير عظام الأقدمية وحشوها في عدة عقود منفصلة عن بعضها على الورق لكنها متصلة على الواقع، ثم بتفضيل الحارس ذي الكلب على غيره ممن لا كلب له، ويصبح للكلب راتب في حجم راتب الحارس، وتضيع الحدود بين راتب الكلب وراتب الحارس، وأحيانا يشفع الكلب للحارس في العمل، ولولا الكلب لما عمل الحارس، وإن مات الكلب يطرد الحارس، و”اللي معجبو حال الباب يِفَوّت جَمَل”.
ولأن لقمة العيش مُرة، ولأن هناك جوقة من البطون تنتظر من “حارس الأمن الخاص” أن يوفر لها الأمن الغذائي والأمن الدراسي وما شابه، يضطر الشاب أو الرجل أو الحارس إلى القبول بالعرض على مضض، كما تقبل أسرة الفتاة الصغيرة الفقيرة بالكهل الغني زوجا لها…

في جائحة كورونا، برز دور كبير لهذه الشريحة التي لا أحد يبحث لها الأمن والأمان، غير الراغبين في الاستغلال ومص الدماء والاتجار في البشر على شاكلة تجارة الرقيق التي جعلت القوي يبيع الضعيف ذات حقبة من الحقب التاريخية التي تعيد نفسها ببشاعة لكن من خلف حجاب، طلبوا من حارس الأمن الخاص بداية أن يتكلف بتعقيم الشبابيك الاوتوماتيكية للأبناك كي يرضى الزبناء، ووقف الحارس مسكينا يرش محلولا على صندوق الشباك، وهو لا يدري تركيبته ولا تأثيره على جهازه التنفسي ولا على جلده وعلى عينيه، و”آراك للرشان”، وفي المستشفيات لم يسلم من الدفع به لممارسة مهام هي من اختصاص الممرضين أو الإداريين، منهم من يحدد المواعيد، وآخر يدفع سرير المريض من سيارة الإسعاف نحو أحد أجنحة المستشفى، ومنهم من يطلع على وصفات المرضى كي يأذن لهم أو لا يأذن لهم بالدخول، وتعددت المهام والراتب هزيل، و كلما اندلع خلاف أو شنآن تملص الجميع من مسؤولياتهم وخاطبوه أنه مجرد “أجون دو سيكيريتي” تجاوز حده، وتركوه “يعوم بحره وحيدا”…
مع هذه الجائحة تبين أن هذه الشريحة يكفيها ما تلقته من هضم لحقوقها، وآن الأوان لوزارة التشغيل أن تتدخل لتلجم أولئك الذين يغتنون من عرقها فتوقفهم وتسن لهم عقودا نموذجية تلزمهم بها، يسترجع بها حارس الأمن الخاص شيئا من أمنه حتى يمكنه أن يحرس أمن الآخرين، فأعدادهم بالآلاف، ويعيلون معهم أفراد أسر بمآت الآلاف، ويكفي أن نذكر أن الثورة الفرنسية قامت فقط بالإفراط في استغلال العمال لأكثر من 8 ساعات عمل متواصلة…

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.