الرأي

التخييم التربوي بالمغرب بين الخطاب والإصلاح المنشود

 

حكيم السعودي

 

يعد التخييم التربوي في المغرب تجربة راسخة في الذاكرة الجماعية ومجالًا إنسانيًا عميقًا تتقاطع فيه القيم، والممارسة، والتربية والتاريخ. فمنذ منتصف القرن العشرين لم يكن التخييم مجرد نشاط موسمي يملأ فراغ العطلة الصيفية بل كان مشروعا وطنيا غير نظامي لتربية الأجيال على قيم المواطنة وروح الجماعة والعمل التطوعي والانفتاح على الطبيعة والآخر. غير أن هذا المشروع رغم غناه الرمزي والتاريخي ظلّ يعاني من اختلالات بنيوية وتنظيمية جعلت بينه وبين غاياته فجوة تتسع مع مرور الوقت.لقد شكّل التخييم في بداياته مدرسة للحياة حيث يتعلم الطفل معنى المشاركة والانضباط ويتربى على التعاون والمسؤولية وينفتح على قيم العمل الجماعي والتضامن الإنساني. كان المخيم فضاء مصغرا يعكس المجتمع في صورته المثالية مجتمع تسوده القيم الأخلاقي، وتزدهر فيه روح الإبداع والمرح والنظام. لكن مع تحولات الزمن وتبدّل الرهانات السياسية والاجتماعية بدأ هذا الفضاء يفقد شيئا من بريقه وصار يعاني من ضعف في الرؤية وتشتت في المقاربة وكأن الرسالة التربوية التي تأسس من أجلها أصبحت غائمة وسط تعقيدات التدبير والتمويل وضعف الحكامة.

منذ أول مناظرة وطنية سنة 1963 التي كانت تهدف إلى تأسيس رؤية استراتيجية للنهوض بقطاع التخييم ظل الخطاب التربوي يتكرر بأشكال مختلفة حاملا ذات الهموم: غياب التجهيزات، ضعف البنية التحتية، نقص الموارد البشرية المؤهلة، غياب التنسيق بين المتدخلين وضعف التمويل المستدام. ورغم مرور أكثر من ستة عقود ما تزال هذه الإشكالات تتكرر بنفس العناوين وكأن الزمن لم يتحرك إلا في التقارير. إن المتتبع لمسار المناظرات اللاحقة في سنوات 1973، 1978، 1982، و1987، يلاحظ أن هناك وعيًا متجددا بأهمية التخييم في العملية التربوية لكن هذا الوعي لم يُترجم إلى إرادة تنفيذية أو رؤية متكاملة تجعل من التخييم ركيزة في المشروع الوطني للتربية والتكوين.لقد أبانت التجربة المغربية أن كثرة المناظرات لا تُنتج بالضرورة سياسات فعالة. فبين الخطاب والواقع ظلّ هناك فراغ كبير مصدره غياب آليات التتبع والمساءلة. في كل مرة ينظّم لقاء وطني حول التخييم، تخرج التوصيات طموحة ومفعمة بالأمل، لكنها سرعان ما تُطوى في الملفات دون أثر ملموس. والسبب في ذلك أن الدولة لم تنظر إلى التخييم باعتباره مجالا استراتيجيًا للتربية غير النظامية بل ظلّ يعامل كأنشطة موسمية تدخل ضمن “زمن الفراغ”، في حين أنه في جوهره فضاء للتربية على القيم والمواطنة.

 

وجاء المنتدى الوطني للتخييم سنة 2008 كمحاولة جادة لكسر هذا الجمود، إذ كان مناسبة لإطلاق الاستراتيجية الوطنية للتخييم في أفق 2020، التي مثّلت لأول مرة رؤية متكاملة وشاملة ترتكز على خمس أولويات كبرى: تأهيل البنيات التحتية، تجديد المناهج التربوية، تطوير تكوين الأطر، تنويع مصادر التمويل، وإرساء منظومة حكامة حديثة. غير أن الحلم الذي بدأ واضحًا في الوثائق ظلّ معلقًا في الميدان، لأن البنية المؤسساتية ظلت عاجزة عن ضمان التنزيل الفعلي، ولأن الميزانيات المرصودة لم تكن كافية لتغطية الطموحات. وهكذا تحولت الاستراتيجية إلى نص جميل أكثر منها واقعًا حيًّا.إن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في ضعف الإمكانات المادية، بل في غياب الرؤية التكاملية التي تجعل التخييم جزءًا من السياسة العمومية للتربية والتنمية البشرية. فطالما ظلّ التخييم مرتبطًا بوزارة معينة دون تنسيق أفقي مع باقي القطاعات، سيظل العمل موسميًا، متقطعًا، وغير مؤثر في المنظومة التربوية ككل. كما أن غياب إطار قانوني واضح لتأطير العلاقة بين الدولة والجمعيات جعل المجال مفتوحًا للتجاذبات، حيث تهيمن أحيانًا الحسابات التنظيمية والسياسية على المقاربة التربوية البحتة.من جهة أخرى، فإن التحديات التي تواجه التخييم اليوم لم تعد تقتصر على البنية أو التمويل، بل صارت مرتبطة أيضًا بتحولات المجتمع نفسه. فالأطفال واليافعون الذين يرتادون المخيمات يعيشون في زمن مختلف، زمن السرعة الرقمية والعوالم الافتراضية، وهو ما يفرض تجديد المناهج التربوية لتستجيب لتطلعات الجيل الجديد. إنّ الأنشطة التقليدية التي كانت تلائم أجيال السبعينات والثمانينات لم تعد قادرة وحدها على جذب اهتمام أطفال اليوم، الذين يحتاجون إلى مضامين تفاعلية، وتجارب حسية تعلّمهم مهارات الحياة، لا مجرد الترفيه.وفي المقابل فإن الرهان الحقيقي يكمن في تأهيل الأطر التربوية التي تشكل العمود الفقري للعملية التخييمية. فالمخيم، مهما توفرت له الإمكانيات، يبقى رهين كفاءة مؤطريه ومدى وعيهم برسالتهم التربوية. من هنا تبرز الحاجة إلى إحداث نظام وطني لتكوين الأطر يعتمد مقاربات بيداغوجية حديثة، ويرسّخ ثقافة التربية بالقيم، ويضمن الاستمرارية في التكوين لا الموسمية.كما أن الحكامة الجيدة تبقى أحد الأعمدة الأساسية لأي إصلاح حقيقي. فبدون شفافية في التدبير المالي والإداري، وبدون تقييم دوري لنتائج البرامج، وبدون مساءلة واضحة، سيظل التخييم يدور في حلقة مفرغة. الإصلاح يتطلب مؤسسات مسؤولة قادرة على اتخاذ القرار وتطبيقه، وعلى إشراك الجمعيات والفاعلين المدنيين كشركاء حقيقيين لا مجرد منفذين.إن التخييم التربوي اليوم أمام مفترق طرق. فإما أن يستمر في الدوران ضمن منطق المناظرات الموسمية والوعود المؤجلة، وإما أن يتحول إلى رافعة استراتيجية حقيقية تُساهم في بناء الإنسان المغربي المتوازن، القادر على الاندماج في مشروع وطني للتنمية. والمطلوب ليس فقط تحديث الفضاءات وتجهيزها، بل إعادة بناء فلسفة التخييم على أساس أنه مدرسة للمواطنة والتربية غير النظامية، تُغرس فيها القيم عبر الممارسة والتجربة المباشرة، لا عبر الخطب والشعارات.

 

إن إعادة الاعتبار للتخييم لا تتطلب فقط موارد مالية، بل قبل ذلك إرادة سياسية وتربوية تؤمن بأن بناء الإنسان هو المدخل لكل تنمية. فحين يتحول الطفل في المخيم إلى كائن مفكر، متعاون، مستقل، واعٍ بحقوقه وواجباته، نكون قد بدأنا فعلًا في تأسيس مغرب جديد من خلال المخيم لا من خلال المكاتب. لأن التربية على القيم تبدأ من الممارسة اليومية من خيمة صغيرة على شاطئ أو في غابة، حيث يتعلم الطفل معنى المشاركة، والاحترام، والحرية، والانتماء.إنّ التخييم ليس ترفًا تربويًا بل هو مختبر صغير لتجريب القيم الكبرى التي يحتاجها المجتمع. وإذا ما وُضعت له الأسس القانونية والمؤسساتية الصحيحة فسيصبح بحق مدرسة للوطن، ومصنعًا للإنسان الذي نريده: حرا، نبيلا، متضامنا ومؤمن بأن الوطن يُبنى بالعطاء لا بالخطاب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى