الرأي

280 مليار درهم والشوكولاتة

عبد الرفيع حمضي

في خريف 1995، وجدت مونا سالين، نائبة رئيس الوزراء السويد وإحدى أبرز الشخصيات السياسية في البلاد، نفسها في قلب عاصفة سياسية. لم يتعلق الأمر بصفقة بالملايين، ولا بتحويل أموال إلى الخارج. كانت في الحكاية، قطع شوكولاتة من نوع «توبليرون».

استعملت MONA Sahlin بطاقة مرتبطة بالنفقات العامة في أداء مشتريات شخصية. لم يكن السؤال ماذا اشترت، ولا كم كان ثمن ما اشترته، بل بأي حق تستعمل مسؤولة حكومية وسيلة أداء مرتبطة بالمال العام لتغطية نفقات خاصة؟

القضية كانت أوسع من الشوكولاتة، لكنها دخلت التاريخ السياسي السويدي باسم «قضية توبليرون»، وتحولت إلى أزمة سياسية اضطرت معها سالين إلى الانسحاب من سباق قيادة حزبها.

ما يعنيني في الحكاية ليس مونا سالين ولا الشوكولاتة، وإنما ذلك السؤال البسيط الذي كان وراء الغضب: بأي حق تؤدين مشترياتك الخاصة بأموال دافعي الضرائب؟

تذكرت «توبليرون» السويدية وأنا أتابع حكاية 280 مليار درهم المغربية.

فقد قال فوزي لقجع، في أزيلال، إن الدولة صرفت نحو 280 مليار درهم لدعم القدرة الشرائية للمواطنين، وإن هذا المجهود المالي الكبير لم ينعكس لا على الأسعار ولا على جيوب المغاربة.

التقط السياسويون الرقم بسرعة. فبدأ السؤال: أين ذهبت 280 مليار؟ ومن استفاد منها؟ ولماذا لم يشعر بها المواطن؟

لكن سؤالا آخر استوقفني أكثر: كيف استطاعت 280 مليار درهم أن تمر أمام المغاربة من دون أن تحدث الرجة التي أحدثتها يوما قطع شوكولاتة في السويد؟

طبعا، لا السويد هي المغرب، ولا حكاية توبليرون تشبه في طبيعتها أو سياقها ما تحدث عنه لقجع. المقارنة هنا ليست بين قضيتين، وإنما بين علاقتين بالمال العام.

ففي بناء الدولة الحديثة، لم تكن الضريبة مجرد وسيلة لملء الخزينة. لقد أصبحت جزءا من عقد سياسي: أنا أساهم في تمويل الدولة، ولذلك من حقي أن أعرف كيف تنفق، وأن أراقب وأن أحاسب. ومن هنا ارتبط تاريخ الضريبة بتاريخ التمثيل السياسي والمساءلة، واختزل الشعار الأمريكي الشهير «لا ضريبة من دون تمثيل» جانبا من هذه الفكرة.

ولذلك يكثر في عدد من الديمقراطيات تعبير «أموال دافعي الضرائب»، بينما نستعمل نحن، في الغالب، عبارة أخرى: « فلوس الدولة».

والفرق بين العبارتين أكبر مما يبدو.

حين نقول «فلوس الدولة»، يبدو المال كأنه يأتي من مكان غامض. الدولة تجمع، والدولة تنفق، والدولة تدعم، والدولة تخسر. أما المواطن فيقف خارج العملية، ينتظر ماذا ستعطيه الدولة وماذا ستأخذ منه.

والأغرب أن ملايين المغاربة قد لا يعتبرون أنفسهم أصلا دافعي ضرائب. الموظف يرى ما يقتطع من أجره، والمقاول يعرف جيدا مواعيد الضرائب، لكن المواطن الذي يشتري قنينة ماء أو فنجان قهوة أو سلعة من متجر قد لا يستحضر أنه يؤدي بدوره ضرائب غير مباشرة، وأن جزءا مما دفعه يصل إلى الخزينة.

بعبارة أخرى: المغربي يدفع للدولة أكثر مما يشعر بأنه يدفع لها.

وهذا ربما ما يفسر جزءا من علاقتنا الغريبة بالأرقام. 280 مليارا، 280 مليونا، 280 ألفا، 280 درهما، وربما 280 سنتيما… الله يرزق غير الصحة والسلامة .تمر الأرقام أمامنا أحيانا بالسرعة نفسها.

فالرقم حين يكبر إلى درجة لا يستطيع المواطن ربطه بدرهم خرج من جيبه، يتحول من مال إلى مجرد رقم في نشرة الأخبار. أما لو أضيفت عشرة دراهم خطأ إلى فاتورة الماء أو الكهرباء، فسيعيد حساب الفاتورة مرتين.

الفرق بسيط: العشرة دراهم يراها ماله، أما الـ280 مليار فلا يزال يراها «فلوس الدولة».

ولهذا جذور تاريخية وسياسية وثقافية. فالدولة ظلت في جزء من المخيال العام كيانا قائما بذاته، له أمواله وإمكاناته، وليست بالضرورة مؤسسة يدفع المجتمع تكلفتها. كما أن ضعف الثقة المتراكم بين المواطن والمؤسسات وسع المسافة النفسية بين جيبه والخزينة العامة.

لذلك، قبل أن نسأل أين ذهبت 280 مليار، نحتاج إلى سؤال آخر: لماذا لا نشعر بأنها كانت لنا؟

ربما نحتاج إلى تغيير بسيط في اللغة، لكنه عميق في المعنى: أن نقلل من عبارة «فلوس الدولة»، وأن نتحدث أكثر عن مال المغاربة، مال المواطنين، مال دافعي الضرائب.

عندها لن تكون مراقبة المال العام مجرد مهمة للمجلس الأعلى للحسابات، ولا مادة تستعمل في الانتخابات بل ستصبح شأنا يوميا للمواطن. وعندما يثار سؤال حول درهم واحد صرف في غير محله، سيشعر كل مغربي أن له في ذلك الدرهم نصيبا، ولو كان متناهيا في الصغر.

وبين ما يقال وما لا يقال، ربما تبدأ حماية المال العام يوم نتوقف عن السؤال: «ماذا فعلوا بفلوس الدولة؟»، ونبدأ بالسؤال: ماذا فعلوا بفلوسنا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى