جلود الأبقار بالمغرب: ثروة مهدورة بين اختلالات السوق وفرص التثمين

يشهد قطاع اللحوم الحمراء بالمغرب مفارقة لافتة تستدعي الوقوف عندها بجدية؛ ففي الوقت الذي تواصل فيه أسعار اللحوم ومشتقات الجلد منحاها التصاعدي، تُهدر قيمة اقتصادية مهمة مرتبطة بجلود الأبقار، التي كان من الممكن أن تشكل رافعة حقيقية لتخفيف الكلفة وتعزيز سلاسل القيمة. تصريحات مهنيي القطاع، وعلى رأسهم ممثلو تجار اللحوم بالجملة بالدار البيضاء، تكشف عن خلل بنيوي في تدبير هذه المادة الأولية الاستراتيجية، ينعكس سلباً على المنتجين والمستهلكين على حد سواء.
تفيد المعطيات المتداولة بأن جلود الأبقار المستوردة، خاصة من البرازيل والأوروغواي، تُمنح أحياناً مجاناً، في حين لا يتجاوز سعر الجلود المحلية درهماً واحداً للكيلوغرام. وهو تراجع كبير مقارنة بالفترات السابقة، حين كان الجزار يحقق مداخيل تصل إلى 400 درهم عن كل جلد، ما كان يساهم بشكل مباشر في التخفيف من كلفة اللحوم. اليوم، اختفت هذه القيمة من معادلة التسعير، ليجد المستهلك نفسه يتحمل الكلفة كاملة، دون أي تعويض غير مباشر. في المقابل، تظل أسعار المنتجات الجلدية النهائية مرتفعة، ما يطرح تساؤلات مشروعة حول شفافية سلاسل التوزيع وهوامش الربح داخل القطاع.
يُعد قطاع الجلود بالمغرب من القطاعات العريقة التي تجمع بين الصناعة التقليدية، خاصة في مدن مثل فاس ومراكش، والصناعة الحديثة الموجهة للتصدير، حيث سجلت صادرات هذا المجال أرقاماً مهمة تجاوزت 1.3 مليار درهم سنة 2025، ما يعكس الإمكانات الكبيرة التي يزخر بها. غير أن هذه المؤشرات الإيجابية تخفي واقعاً أقل إشراقاً، يتمثل في ضعف تثمين المادة الأولية محلياً وغياب منظومة تنظيمية فعالة تضمن توجيه الجلود نحو وحدات التحويل والتصنيع بدل بيعها بأثمنة زهيدة أو إهدارها.
تشير تقديرات مهنيين إلى أن مجازر الدار البيضاء وحدها تنتج حوالي 500 جلد يومياً، دون احتساب باقي المجازر، بما فيها المرخصة، وهو ما يعكس حجم مورد اقتصادي ضخم غير مستغل بالشكل الأمثل. هذا الوضع لا يمثل فقط خسارة اقتصادية مباشرة، بل يضيع أيضاً فرصاً حقيقية لخلق قيمة مضافة محلية وتوفير مناصب شغل.
تتوزع اختلالات هذا القطاع بين عدة مستويات، أبرزها غياب تنظيم واضح لسوق الجلود الخام، وضعف الربط بين المجازر ووحدات الدباغة والتصنيع، إلى جانب هيمنة الوسطاء الذين يساهمون في تبخيس الأسعار عند المصدر ورفعها عند الوصول إلى المستهلك النهائي. كما يبرز غياب تحفيزات حقيقية للاستثمار في التحويل المحلي، ما يجعل هذه المادة تتحول من مورد اقتصادي إلى عبء.
ورغم أن فتح باب تصدير الجلود قد يشكل حلاً ظرفياً لتصريف الفائض وتحقيق حد أدنى من القيمة، إلا أن الرهان الاستراتيجي يظل في التصنيع المحلي، لما يوفره من فرص لخلق الثروة وتعزيز النسيج الصناعي الوطني. فالتصدير في شكله الخام يعني عملياً تصدير القيمة المضافة، في حين يسمح التحويل الصناعي بإدماج هذه المادة ضمن دورة إنتاج متكاملة.
إن تحويل جلود الأبقار من مورد مهدور إلى رافعة اقتصادية حقيقية يمر عبر إصلاح هيكلي شامل، يقوم على تنظيم السوق، وتحسين شروط جمع وحفظ الجلود، ودعم الاستثمار في وحدات الدباغة الحديثة، وتقوية التنظيم المهني، إضافة إلى إدماج قيمة الجلد في تسعير اللحوم بشكل شفاف ينعكس إيجاباً على المستهلك. كما تظل مراقبة سلاسل التوزيع أمراً ضرورياً لضمان عدالة الأسعار والحد من المضاربات.
في المحصلة، لا يمكن اعتبار جلود الأبقار مجرد منتج ثانوي لعملية الذبح، بل هي مورد استراتيجي قادر على المساهمة في تحقيق التوازن داخل قطاع اللحوم وتعزيز الاقتصاد الوطني. غير أن استمرار الوضع الحالي يعني ببساطة إهدار ثروة يومية، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد إلى كل مصادر القيمة الممكنة، ما يجعل من إصلاح هذا القطاع أولوية لا تحتمل التأجيل.




