الأمن القضائي للاستثمار: حين يهدد النصب ثقة المستثمرين.

يشكل الاستثمار الأجنبي أحد الأعمدة الأساسية لدعم الاقتصاد الوطني، وتعزيز فرص الشغل، ونقل التكنولوجيا والخبرات. غير أن هذه الدينامية الإيجابية قد تتعرض لهزات خطيرة حين يجد بعض المستثمرين الأجانب أنفسهم ضحايا لعمليات نصب واحتيال، في وقائع متفرقة شهدتها عدة مناطق بالمملكة، ووصل صداها إلى أروقة المحاكم.
في هذا السياق، برزت ملفات قضائية أثارت اهتمام الرأي العام، من بينها قضية مستثمرين أجانب من جنسية أمريكية معروضة أمام المحكمة الابتدائية بالمحمدية، حيث باشرت النيابة العامة وقاضي التحقيق إجراءات المتابعة، مع توجيه تهم ثقيلة إلى مشتبه فيه مغربي، تتعلق بالنصب وخيانة الأمانة والتزوير.
هذه القضايا، وإن ظلت حالات معزولة، إلا أن انعكاساتها تتجاوز أطرافها المباشرين، لتطال صورة البلاد كوجهة استثمارية آمنة. فالمستثمر الأجنبي، قبل ضخ أمواله، يبحث عن بيئة يسودها الأمن القانوني، والشفافية، وحماية الحقوق. وأي خلل في هذه المنظومة، أو شعور بالإفلات من العقاب، من شأنه أن يزرع الشك ويؤثر على جاذبية السوق الوطنية.
إن المغرب، الذي راكم خلال السنوات الأخيرة إصلاحات مهمة في مجال تحسين مناخ الأعمال، مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بتعزيز آليات الحماية القانونية للمستثمرين، سواء عبر تسريع البت في القضايا، أو تشديد العقوبات في جرائم النصب المرتبطة بالاستثمار، أو تحسين آليات التتبع والمواكبة.
فالزجر في مثل هذه القضايا لا يقتصر فقط على إنصاف الضحايا، بل يتعداه إلى توجيه رسائل واضحة مفادها أن الدولة تحمي الاستثمار الجاد، وتتصدى لكل الممارسات التي تسيء لسمعتها. كما أن الحزم القضائي يعزز ثقة الشركاء الدوليين، ويؤكد أن المغرب لا يتسامح مع الجرائم الاقتصادية التي قد تمس بمصداقيته.
بالموازاة مع ذلك، تبرز الحاجة إلى مزيد من اليقظة من طرف المستثمرين أنفسهم، عبر التحقق من الشركاء، والاستعانة بالخبرات القانونية، وعدم الانخراط في مشاريع دون ضمانات واضحة. فحماية الاستثمار مسؤولية مشتركة، تتقاطع فيها أدوار الدولة والقطاع الخاص.
في المحصلة، تظل مثل هذه القضايا اختباراً حقيقياً لنجاعة المنظومة القضائية، ولمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار وفرض سيادة القانون. فصورة البلاد في أعين المستثمرين لا تُبنى فقط على الامتيازات والتحفيزات، بل أيضاً على الصرامة في مواجهة كل من يحاول استغلال الثقة لتحقيق مكاسب غير مشروعة.




