إنزكان.. مرافق جماعية بملايين الدراهم تفتح أسئلة الحكامة وتضارب المصالح
تطبيق القانون وترتيب الآثار اللازمة يصبحان ضرورة لحماية المال العام

تعود طريقة تدبير واستغلال عدد من المرافق الاقتصادية التابعة لجماعة إنزكان إلى واجهة النقاش العمومي، وسط تساؤلات حول طبيعة الاستفادة من هذه المرافق، ومدى احترام قواعد المنافسة وتكافؤ الفرص، وحجم العائدات التي تدخل خزينة الجماعة مقارنة بحجم النشاط الاقتصادي الذي تعرفه المدينة. وتزداد حساسية هذا الملف بالنظر إلى امتداده الزمني، بعدما أثيرت معطيات تتحدث عن حضور متكرر، على مدى سنوات طويلة، لشركات مرتبطة بالشخص نفسه في عمليات استغلال عدد من المرافق الجماعية، من بينها المجزرة الجماعية، والمرابد، وسوق الجملة، وسوق التمور، وسوق المواشي.
المعطيات والوثائق التي اطلع عليها أحد أعضاء المجلس الجماعي لإنزكان، في إطار ممارسة مهامه الرقابية، ونشر جانباً منها عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك”، أعادت طرح أسئلة تتجاوز الجانب التقني للصفقات وطلبات العروض، لتلامس طريقة تدبير الملك الجماعي ومدى استفادة المدينة وساكنتها من موارده. وفق المعطيات المتداولة، فإن شركات مرتبطة بالشخص نفسه، والذي يتولى تسييرها بصفته القانونية، ظهرت بشكل متكرر في عدد من عمليات الاستغلال وطلبات العروض الخاصة بالمرافق الجماعية. وهنا يطرح السؤال حول مدى تحقق المنافسة الفعلية وتكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين، وما إذا كانت المشاركة المتكررة للشركات نفسها نتيجة طبيعية لمسطرة قانونية مفتوحة أمام الجميع، أم أن الأمر يستوجب افتحاصاً دقيقاً لمسار هذه العمليات ونتائجها. وتشير المعطيات ذاتها إلى مشاركة شركات وأشخاص قيل إن لهم صلات بالمستفيد الرئيسي في بعض طلبات العروض، قبل أن يتم إقصاؤهم بسبب عدم استكمال الوثائق أو عدم استيفاء بعض الشروط والضمانات المطلوبة. ومن الناحية القانونية، فإن إقصاء أي متنافس لا يشكل في حد ذاته مخالفة متى تم وفقاً للقواعد المنظمة لطلبات العروض. غير أن تكرار هذا السيناريو، إذا ثبت بالوثائق، يجعل من المشروع التساؤل حول طبيعة المنافسة ومدى جدية جميع العروض المقدمة. كما تطرح الفوارق الكبيرة بين بعض العروض المالية المقدمة وبين التقديرات المتداولة لقيمة النشاط الاقتصادي سؤالاً إضافياً حول ما إذا كانت الجماعة تحصل فعلاً على المقابل المالي الذي يتناسب مع القيمة الاقتصادية لمرافقها.

لا يتعلق الأمر بمرافق ثانوية، بل بمنشآت توجد في قلب النشاط التجاري لمدينة إنزكان، المعروفة بثقلها الاقتصادي وحركتها التجارية. وبحسب المعطيات المتداولة، فإن مداخيل سوق الجملة ظلت، خلال سنوات عديدة، في حدود تتراوح بين 17 و18 مليون درهم سنوياً، في وقت تشير بعض التقديرات الواردة في الوثائق والمعطيات المتداولة إلى حجم نشاط قد يلامس مستويات مماثلة. غير أن الوصول إلى أرقام دقيقة بشأن رقم المعاملات الحقيقي يظل رهيناً بدراسة مالية ومحاسبية مستقلة، خصوصاً في ظل ما أثير بشأن عدم تفعيل الموازين بالسوق، وما يمكن أن يترتب عن ذلك من صعوبة في تحديد الحجم الحقيقي للنشاط وبالتالي تقدير المداخيل المستحقة. أما المجزرة الجماعية، فتشير المعطيات إلى مداخيل في حدود 2.4 مليون درهم، بينما تطرح مداخيل بعض المرافق الأخرى بدورها تساؤلات حول مدى تناسبها مع حجم الحركة التجارية التي تعرفها إنزكان.
يبقى ملف المرابد من أكثر الملفات إثارة للنقاش، بالنظر إلى مدة التدبير المفوض التي تمتد لعشر سنوات، مقابل مبلغ يقارب 1.3 مليون درهم سنوياً لفائدة الجماعة. وفي المقابل، تتحدث تقديرات متداولة عن مداخيل قد تصل إلى حوالي 30 مليون درهم سنوياً. وإذا كانت هذه الأرقام دقيقة أو قريبة من الواقع، فإن الفارق الكبير بينها وبين المقابل الذي تستفيد منه الجماعة يستحق دراسة متخصصة تجيب عن سؤال أساسي: على أي أساس اقتصادي ومالي تم تحديد قيمة الاستغلال؟ وهل سبقت عملية التفويت دراسة مستقلة ومحينة تأخذ بعين الاعتبار حجم النشاط، وعدد المرابد، ومداخيلها الفعلية، وتطور السوق خلال مدة العقد؟ كما يطرح الأمر سؤالاً آخر يتعلق بآليات المراقبة التي تتوفر عليها الجماعة للتأكد من رقم المعاملات الحقيقي وضمان استخلاص حقوقها كاملة.
تأخذ القضية بعداً أكثر حساسية بعدما ارتبط اسم أحد المستفيدين الاقتصاديين من هذه المرافق، وفق المعطيات والوثائق المتداولة، بالترشح للانتخابات البرلمانية بدائرة إنزكان أيت ملول. ولا يتعلق الأمر هنا بالطعن في حق أي شخص في ممارسة النشاط الاقتصادي أو المشاركة السياسية، فهذه حقوق يكفلها القانون. غير أن تزامن المصالح الاقتصادية المرتبطة بمرافق جماعية مع الطموح السياسي يرفع سقف الحاجة إلى الشفافية، ويجعل التدقيق في وضعية المصالح وتضاربها أمراً مشروعاً في إطار النقاش العمومي. كما تثير المعطيات نفسها وضعية عضو بالمجلس الجماعي يترأس لجنة موضوعاتية، ويقال إنه مسجل لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بإحدى الشركات المستفيدة من هذه العمليات. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الأمر يستوجب التحقق من الوضعية القانونية ومدى احترام قواعد تضارب المصالح والالتزامات المرتبطة بالعضوية في المجلس الجماعي، بدل الاكتفاء بالتأويلات أو الاستنتاجات. السؤال الأساسي في هذا الملف لا ينبغي أن يكون مرتبطاً بهوية الأشخاص أو انتماءاتهم السياسية، وإنما بمدى قدرة جماعة إنزكان على تثمين مرافقها الاقتصادية وتحقيق أفضل مردودية ممكنة منها.
فإذا كانت المرافق الجماعية تحقق نشاطاً اقتصادياً كبيراً، فمن حق المواطنين أن يعرفوا حجم المداخيل الحقيقية، وكيف تم تحديد واجبات الاستغلال، وما هي الدراسات التي اعتمدت عليها الجماعة، وما هي آليات المراقبة والتحصيل المعتمدة. كما أن من حق أي طرف معني بهذه المعطيات أن يقدم توضيحاته ووثائقه، خصوصاً أن المسؤولية الصحافية تقتضي التمييز بين الوقائع الثابتة، والمعطيات التي تحتاج إلى تحقق، وبين الاستنتاجات التي لا يمكن حسمها إلا من خلال الجهات المختصة. وأفضل طريقة لإنهاء الجدل تتمثل في إخضاع هذه الملفات لافتحاص مالي وإداري مستقل، ونشر المعطيات المتعلقة بطرق إسناد الاستغلال، وقيمة العقود، والمداخيل المحققة، والدراسات التي بنيت عليها الأسعار وواجبات الاستغلال. فإذا أثبت الافتحاص أن جميع العمليات تمت في احترام تام للقانون، وأن المقابلات المالية المحددة تعكس القيمة الاقتصادية الحقيقية للمرافق، فإن ذلك من شأنه أن يضع حداً للتساؤلات. أما إذا كشفت المراجعة عن اختلالات أو تضارب مصالح أو خسائر مالية لحقت بالجماعة، فإن تطبيق القانون وترتيب الآثار اللازمة يصبحان ضرورة لحماية المال العام. وفي جميع الحالات، تبقى القاعدة الأساسية واضحة: المرافق الجماعية ملك للجماعة وساكنتها، وعائداتها يفترض أن تعود بالنفع على المدينة وتنميتها.




