
حين ينجح ولد الدرب… هل يغادره إلى الأبد؟
في الدرب، نفرح كثيرا بنجاح أبنائنا.
نفرح حين ينجح أحدهم في دراسته، وحين يحصل آخر على وظيفة جيدة، وحين يصبح أحد أبناء الدرب طبيبا أو مهندسا أو محاميا أو فنانا أو مقاولا. نردد اسمه بفخر، ونقول لمن لا يعرفه: «هذا ولد دربنا».
لكن المفارقة أن نجاح ولد الدرب يكون، في كثير من الأحيان، بداية ابتعاده عنه.
يغير عنوانه، وهذا طبيعي. تتغير ظروفه الاجتماعية، وهذا مفهوم. تتوسع دائرة علاقاته وتتغير اهتماماته وأسلوب حياته، وهذا جزء من مسار أي إنسان يسعى إلى الأفضل.
لكن السؤال ليس: لماذا يغادر ولد الدرب؟
السؤال هو: هل يجب أن يغادره الدرب أيضا؟
هناك فرق كبير بين أن تغادر المكان وبين أن تنقطع عنه.
فالنجاح لا يفترض أن يبقى الإنسان أسير “الدرب” الذي نشأ فيه، ولا أن يعتذر عن تحسن ظروفه، ولا أن يتظاهر بحياة لم تعد حياته. ليس في الفقر فضيلة في حد ذاته، وليس في الارتقاء الاجتماعي خيانة للأصل.
على العكس تماما، أجمل ما يمكن أن يحدث للدرب هو أن ينجح أبناؤه.
المشكلة تبدأ عندما تتحول المسافة الجغرافية إلى مسافة إنسانية، وحين يصبح الماضي الذي صنع جزءا منا شيئا نحاول إخفاءه بدل أن نفتخر به.
لأن “الدرب” لم يكن مجرد عنوان في بطاقة التعريف.
في “الدرب” تعلمنا أشياء كثيرة قبل أن نجد أسماء لها في الحياة. تعلمنا معنى الصداقة، والتنافس، والتضامن، والاختلاف، والربح والخسارة. تعلمنا كيف نتعامل مع الكبير والصغير، مع الغني والفقير، وكيف ندافع عن أنفسنا، وكيف نصنع مكاننا وسط الآخرين حتى لو كانوا مختلفين عنا.
بعض هذه الدروس كان قاسيا، وبعضها لم يكن جميلا، وبعض الأشياء التي عشناها لا نتمنى أن يعيشها أبناؤنا اليوم.
لكنها، في النهاية، ساهمت في صناعة ما أصبحنا عليه.
ولهذا، حين ينجح ولد الدرب، لا ينبغي أن يكون السؤال ماذا أعطاه الدرب فقط، بل أيضا: ماذا يمكن أن يعطيه هو للدرب؟
ولا أتحدث هنا بالضرورة عن المال.
قد يكون أهم ما يستطيع الناجح تقديمه لطفل في الحي هو أن يراه.
أن يعرف ذلك الطفل أن شخصا كان يلعب يوما في نفس “الزنقة”، ودرس ربما في نفس المدرسة، وعاش بعض الصعوبات نفسها، أو ربما أكثر، لكنه، استطاع أن يجد طريقه.
الصورة أحيانا أقوى من الخطاب.
حين يرى الطفل النجاح بعيدا عنه، يراه استثناء. وحين يراه في شخص تعرفه عائلته أو يسمع عنه في الدرب، يصبح النجاح احتمالا ممكنا.
وهنا تحديدا تبدأ مسؤولية “ولاد الدرب” الذين نجحوا.
ليس مطلوبا منهم أن يعودوا ليعيشوا فيه، ولا أن يحملوا فوق أكتافهم كل مشاكله، ولا أن يتحول نجاحهم إلى دين اجتماعي يؤدونه طوال حياتهم.
المطلوب أبسط من ذلك وأعمق.
ألا تنقطع الصلة.
أن يبقى في حياتهم مكان للدرب الذي خرجوا منه، وأن يفتحوا، كلما استطاعوا، نافذة صغيرة لمن يأتي بعدهم.
واحد يساعد شابا في إيجاد تدريب. آخر يوجه طالبا في اختيار تخصصه. طبيب يخصص وقتا للتوعية. محام يشرح للشباب حقوقهم أو يدافع عنها قدر المستطاع. مقاول يمنح أول فرصة عمل لولد دربهم. فنان يعود ليحكي تجربته. رياضي يساعد في تكوين فريق محلي في الدرب.
أشياء تبدو صغيرة، لكنها حين تتكرر تغير الكثير.
فالدرب الذي ينجح أبناؤه ثم يفقدهم جميعا، يضطر كل جيل فيه إلى البدء من الصفر.
أما الدرب الذي يعود إليه جزء من خبرة أبنائه وتجاربهم وعلاقاتهم، فإنه يبني، جيلا بعد جيل، ما يمكن أن نسميه ببساطة: رأس مال الدرب.
ربما لهذا كنا نقول دائما، بكثير من الاعتزاز، عن شخص نجح: «هذا ولد الدرب».
الجملة في ظاهرها تعريف بأصله، لكنها تحمل في داخلها شيئا أكبر: نحن نعتبر أن لنا جزءا صغيرا في حكايته.
ولذلك، ربما يكون من الجميل أن يشعر هو أيضا بأن للدرب جزءا صغيرا في حكايته.
أن تغادر الدرب بحثا عن حياة أفضل، فهذا نجاح.
أن تأخذ معك قيمه وذكرياته، فهذا وفاء.
أما النجاح الأجمل، فهو أن تستطيع يوما، بطريقة أو بأخرى، أن تترك الباب مفتوحا لولد درب آخر كي ينجح بدوره، أو على الأقل أن تمنحه فرصة أن تكون قدوة له.
فالنجاح الحقيقي لولد الدرب ليس أن يبقى فيه إلى الأبد، بل ألا ينساه حين يصبح قادرا على أن يعطيه شيئا ما.
بقلم : المهدي الزوات
#ولد_الدرب
#الوعي_أولا




