التعليم عن بعد : يضرب الحق في المساواة وقد تلغي المحاكم الإدارية نتائجه

0

•محمد الشمسي

ليس التعلم عن بعد بسيطا سهلا يمكن اللجوء إليه على وجه السرعة والارتجال والنجاح فيه، ربما سيكون ترقيعا لثوب بال، أو خطابا للاستهلاك ، فحتى في الدول الرائدة، وفي حالات الرخاء واجه هذا النوع من التعليم مشاكل، لأنه يحتاج إلى بنية تحتية تقنية قوية مرتبطة بالدخل الفردي ومنسوب الوعي لدى مواطني الأمة ، فكيف الحال في دولة ذات إمكانيات محدودة ؟، وليسمح لي القارئ الكريم أن أستعرض عليه الحواجز التي تجعل هذا التعليم عن بعد بعيدا عن أبناء الطبقة الهشة ، وبعيدا عن جني ثمار العلم والمعرفة ، وقريبا من القرار المعيب بالمنافسة غير الشرعية والمفتقد لشرط المساواة:

اولا : التغطية بين الضعف والانعدام:
هناك مناطق لا أثر فيها حتى لرائحة “الكونيكسيون” ولا “ريزو”، لشركات الاتصال الثلاث، ولا يتعلق الأمر بمناطق نائية في العالم القروي خلف الجبال وتحت السفوح وفي الوديان فقط ، بل إن أحياء وسط المدن الكبرى تنعدم فيها هذه التغطية أو تضعف، بما يجعل التواصل عبرها مستحيلا.
ثانيا : الهواتف الذكية بين العين البصيرة واليد القصيرة:
لا يمكن إقناع أب أو أم أنهكتهما تكاليف الزمن بأسعاره الملتهبة من كراء أو أقساط ديون الشقة في السكن الاقتصادي و القوت اليومي وحاجياته و فواتير الماء والكهرباء بشراء هاتفين أو ثلاث هواتف نقالة لولديه أو أولاده، ليس لأنه لن يقبل بذلك بل لأنه لا يقوى على ذلك.

ثالثا: سعر صبيب الانترنت خارج الرقابة:
حتى بالنسبة لأولئك المحظوظين الذين رماهم قدرهم أن يسكنوا في مناطق أو أحياء مشمولة بالتغطية، وسمح لهم الزمن باقتناء هواتف نقالة، فإن ثمن تعبئة الانترنت يبقى غاليا جدا بل وخارج حتى نطاق الرقابة، لأن المستهلك لا يدري كيف تحدد شركات الاتصال ثمن بضاعتها، حيث لا تلبث أن تطلع رسالة تعلمه أن رصيده من الانترنت قد انتهى وعليه بتعبئة جديدة، قد لا يتوفر ثمنها لكل الأسر حتى في الظروف العادية فما بالنا في هذه الجائحة حيث موارد الكسب مشلولة.
رابعا : البث عبر التلفزة تلك مصيبة أخرى:
من المعلوم أن هناك دروس يتم بثها عبر بعض القنوات الرسمية مثل قناة الرابعة، ومن المعلوم أن استقبال هذه القناة يلزم صاحبه التوفر على تلفاز مجهز بتقنية “تي إن تي”، ومن المعلوم أن هناك أسر تملك تلفزات قديمة الموديل لا تتوفر على هذه التقنية من جهة، ثم إنها تسكن في مناطق لا يصلها البث التلفزي العادي، وهي تضطر إلى تركيب المقعرات الهوائية، دون الحديث عن أن أسرا لا تملك شاشات تلفزة، ومن يرى في هذه الملاحظة غلوا أو مبالغة هو لا يعرف عمق ضاية الفقر والهشاشة التي يعيشها عدد من المغاربة.
نقول هذا مع استحضار أركان نجاح العملية التعليمية التي تشترط حضور المعلم أو المعلمة بهيئته لمنح العملية هيبة، وفي فضاء يلاءم قدسية الفعل التربوي، ولتطويق النشاط الزائد للطفل، ثم حاجة هذا الطفل ليتفاعل مع محيطه بين أقرانه بما يقوي شخصيته، ويحول دون عزلته، فإذا كان التعليم عن بعد حالة فرضته كارثة كورونا، فليكن من باب الترفيه على الطفل أمام حالة الفراغ التي يعيشها وهو يلازم البيت ، والإبقاء على من استطاع ملتصقا بدروسه، لا أن يكون عاملا محددا للتفوق أو الفشل في موسمه الدراسي، لأنه لا ينبني على المساواة الدستورية والقانونية المطلوبة، ولأنه يرسخ لثقافة المنافسة غير الشريفة بين الأطفال، وقد تضطر المحاكم الإدارية إلى إلغاء نتائجه في القادم من الأيام لمن تضرر منه، والأيام بيننا.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.