سبتة… حرقة الاسئلة

عبد الرفيع حمضي
ص
لكل حدث كبير مرحلتان: مرحلة الانفعال، ومرحلة الفهم. وقد انتهت، في تقديري، المرحلة الأولى من أحداث سبتة المحتلة، وحان وقت الفهم.
منذ اللحظة الأولى، لم ينشغل كثيرون بما وقع بقدر ما انشغلوا بمن يقف وراءه. فتناسلت القراءات بسرعة لافتة. فمنهم من ربط الأمر بمواقف سانشيز، وتداعيات مأساة غزة، والحرب على إيران، وتحركات ترامب ومناورات نتنياهو. ومنهم من قرأه في ضوء العلاقات المغربية الإسبانية، أو في سياق الزيارة الأخيرة لرئيس الحكومة الإسبانية إلى الجزائر. ومنهم من تحدث عن القضاء وعن دور شبكات التواصل الاجتماعي، وقدم معطيات تثبت ضلوع أجهزة استخبارات إقليمية في التحريض والتعبئة.
قد تحمل بعض هذه القراءات جزءا من الحقيقة، وربما لا يحمل البعض الآخر شيئا منها، لكنها جميعا تبقى محاولات لتفسير الحدث من خارجه.
أما السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم فهو: لماذا وجدت هذه الدعوة، وهذه التعبئة، وهذا الخطاب، من يستجيب له؟ ولماذا كان أغلب المستجيبين أطفالا، ويافعين، وشبابا؟
في علم الاجتماع، يميز الباحثون بين السبب والقابلية. فالشرارة قد تأتي من أي مكان، لكن الاشتعال لا يتم إلا إذا كانت الأرض مهيأة لذلك. ولذلك فإن البحث عن من أطلق الدعوة مهم، لكنه لا يغني عن البحث في أسباب استعداد بعض الأطفال والشباب لتصديقها والاستجابة لها. فالشرارة تفسر بداية الحدث، لكنها لا تفسر قابلية الاشتعال.
وقد تجاوزت العلوم الاجتماعية منذ سنوات النظر إلى الشباب باعتباره مجرد فئة عمرية. فالشباب، في حقيقته، مرحلة يبحث فيها الإنسان عن الاعتراف قبل أن يبحث عن الامتيازات، وعن الإحساس بالجدوى قبل أن يبحث عن الدخل، وعن مكان داخل المجتمع قبل أن يبحث عن مكان داخل سوق الشغل. ولذلك فإن اختزال سياسات الشباب في التشغيل وحده، رغم أهميته، يجعلنا نرى نصف الصورة فقط.
إن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده. إنه يحتاج أيضا إلى أن يشعر بأنه مسموع، وأن رأيه له قيمة، وأن المجتمع يفتح له أبوابه لا ليطلب منه فقط، بل ليستمع إليه أيضا وأنه حر وكرامته مصانة .
ولهذا فإن إعادة الاعتبار للأطفال والشباب لا تبدأ فقط بإحداث برامج جديدة ، وإنما تبدأ بإعادة الاعتبار لكل فضاءات ومؤسسات التنشئة نفسها. تبدأ من الأسرة، وتمر عبر المدرسة التي ينبغي أن تستعيد رسالتها في التربية، لا في التلقين فقط، ثم إلى الثانوية والجامعة، حيث يصبح الحوار، والمبادرة، والمواطنة، جزءا من الحياة اليومية، لا مجرد عناوين في المقررات. كما تمتد إلى دور الشباب، والجمعيات الثقافية والرياضية، والأحزاب السياسية، وسائر مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وإلى الشارع باعتباره فضاء عاما للتعايش والتعبير. فالمجتمع الذي يضيق فضاءات مشاركة شبابه، يوسع، من حيث لا يدري، فضاءات الإحباط لديهم. والشباب لا يطلبون فقط من يفتح لهم أبواب الشغل، بل أيضا من يفتح لهم أبواب المشاركة، والإبداع، والشعور بأنهم جزء من هذا الوطن.
ولعل هذا ما يمنح أهمية خاصة لما أعلنه جلالة الملك في خطاب العرش الأخير، حين أكد أن المغرب مقبل، بعد الانتخابات التشريعية وتنصيب الحكومة الجديدة، على مرحلة ثانية من المسار التنموي. ومن اللافت أن المرحلة الأولى لم تكن مرتبطة بعمر حكومة واحدة، بل شكلت، عبر عدة ولايات حكومية، مسارا استراتيجيا حافظ على استمرارية الأوراش الكبرى، رغم تغير الحكومات.
ولعل الدرس نفسه ينبغي أن يلهم المرحلة الثانية، خاصة في ما يتعلق بالشباب والطفولة. فهذا المجال لا يحتمل أن يظل رهين برامج قطاعية متفرقة، أو مبادرات تتغير بتغير الوزراء والحكومات، مهما كانت أهميتها. إنه يحتاج إلى رؤية وطنية استراتيجية، تمتد لعقدين أو أكثر، تلتقي حولها مختلف المؤسسات والقطاعات، وتلتزم الحكومات المتعاقبة بتنزيلها وتطويرها.
لقد أبانت التجربة أن تعدد البرامج، وإحداث اللجان، مهما كانت جديتها، لا يكفيان دائما لضمان الانسجام والاستمرارية. أما الرؤية الاستراتيجية، فهي التي تحول البرامج المتفرقة إلى مشروع وطني واحد، وتحول تعاقب الحكومات من عامل انقطاع إلى عامل استمرارية. وعندها فقط يصبح الاستثمار في الشباب استثمارا في مستقبل الدولة، لا مجرد سياسة عمومية مرتبطة بولاية حكومية أو ظرف سياسي.
وبين ما يقال وما لا يقال… فالرهان على الشباب لا يقاس بعمر الحكومات، وإنما بعمر الأوطان.




