شؤون محلية

مشاريع خارج الخدمة بالدار البيضاء.. المسرح الكبير نموذجاً لمفارقة الاستثمار دون استغلال

 

تتوفر مدينة الدار البيضاء على عدد من المشاريع والمنشآت التي رُصدت لها اعتمادات مالية مهمة، وأنجز بعضها منذ سنوات، غير أن جزءاً منها لم يدخل بعد مرحلة الاستغلال الكامل، أو ظل يواجه تأخراً في التشغيل والتدبير. ويبرز المسرح الكبير للدار البيضاء كأحد أبرز الأمثلة على هذه المفارقة.

فالمشروع، الذي أعطى الملك محمد السادس انطلاقة أشغاله سنة 2014، أنجز ليشكل واحداً من أهم الصروح الثقافية والفنية بالعاصمة الاقتصادية للمملكة، ويضم قاعات للعروض والموسيقى وفضاءات للتدريب والاجتماعات، إلى جانب مرافق مرافقة.

غير أن الإشكال الذي ظل يطرح نفسه خلال السنوات الماضية لا يرتبط بإنجاز البناية فقط، وإنما بمدى قدرة المدينة على الانتقال من مرحلة تشييد المشروع إلى مرحلة تشغيله واستثماره بشكل منتظم، بما يضمن استفادة المواطنين والفنانين والفاعلين الثقافيين من هذه المنشأة.

ويعيد وضع المسرح الكبير إلى الواجهة سؤالاً أوسع يتعلق بطريقة تدبير المشاريع العمومية الكبرى، خصوصاً تلك التي تتطلب بعد انتهاء الأشغال نموذجاً واضحاً للحكامة والتسيير والتمويل والصيانة والبرمجة الثقافية.

فالمشروع العمومي لا تنتهي مهمته عند وضع آخر حجر في البناء، وإنما تبدأ قيمته الحقيقية عندما يفتح أبوابه أمام المواطنين ويقدم الخدمة التي أُنشئ من أجلها.

وفي مدينة بحجم الدار البيضاء، التي تحتاج إلى فضاءات ثقافية وفنية قادرة على احتضان التظاهرات والعروض والإبداعات المحلية والوطنية والدولية، يصبح تأخر تشغيل منشأة ثقافية بهذا الحجم موضوعاً يستحق النقاش والمساءلة العمومية.

كما أن الإشكال لا يقتصر على المسرح الكبير وحده، إذ تطرح بعض المشاريع والمنشآت الأخرى في المدينة سؤالاً مشابهاً حول الفارق بين إنجاز المشروع وبين ضمان استمرارية خدماته ونجاعة استغلاله.

وبالتالي، فإن الرهان الحقيقي بالنسبة للدار البيضاء لا ينبغي أن يكون فقط في إطلاق مشاريع جديدة، بل أيضاً في تقييم المشاريع المنجزة، وتسريع تشغيل المتوقف منها، وضمان حكامة واضحة ومستدامة للمرافق التي كلفت المال العام اعتمادات كبيرة.

فالمواطن لا يقيس نجاح المشروع بعدد الأمتار المربعة التي شُيدت، ولا بحجم الاعتمادات التي رُصدت له، وإنما بما يقدمه من خدمة فعلية وما يضيفه إلى الحياة اليومية والثقافية والاقتصادية للمدينة.

ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل حان الوقت لفتح ملف المشاريع التي انتهت أشغالها، لكنها لم تدخل بعد مرحلة الاستغلال الكامل، وتحديد المسؤوليات والحلول الكفيلة بتحويلها من منشآت مغلقة أو محدودة الاستعمال إلى مرافق عمومية نابضة بالحياة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى