المحاكمة بدون دفاع: انتكاسة حقوقية خطيرة واستستهتار بالدستور والمواثيق الدولية

ذ/ يوسف عبد القاوي
تشهد المنظومة القضائية والحقوقية في المغرب سابقة خطيرة تمسّ في العمق جوهر العدالة وصرح الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، عقب إقدام غرف الجنايات (الابتدائية والاستئنافية) بمحكمة الاستئناف بالعيون على إصدار قرارات حضورية وباتة في أكثر من 50 ملفا جنائيا – تتضمن عقوبات سالبة للحرية – دون حضور الدفاع ومؤازرته للمتهمين.
إن هذا التطور لا يمكن تصنيفه إلا كـ كارثة حقوقية بامتياز وتراجع خطير عن المكتسبات الدستورية والقانونية، ينم عن استهتار صريح بالقانون وبالدستور وبكافة الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة.
أولا: تحميل المسؤولية: سياسة الأمر الواقع والمسّ بالحقوق
إن المقاربة الأمنية والتشريعية التي تنتهجها وزارة العدل، ومن خلفها الحكومة، هي المسؤول المباشر والأول عن هذا الاحتقان وهذه الخروقات.
إن محاولة الاستقواء والتفاف السلطة التنفيذية على احتجاجات المحامين المشروعة لممارسة سياسة الأمر الواقع، وفرض تشريعات تفتقر للحد الأدنى من احترام الدستور والاتفاقيات الدولية، تمسّ في العمق باستقلالية مهنة المحاماة وبحصانة الدفاع باعتبارها ركنا لا محيد عنه لاستقلال السلطة القضائية نفسها.
ثانيا: تهافت التعليل القضائي ومخاطر الالتفاف على القانون
إن التعليل الذي استندت إليه المحكمة للاستغناء عن المحامي – بدعوى أسبقية “*استمرارية المرفق القضائي*” وعدم ترتيب جزاء صريح في بعض المواد الإجرائية – هو تأويل يعصف بالضمانات الجوهرية للعدالة:
1. خرق التزام صريح:
نصت المادة 316 من قانون المسطرة الجنائية صراحة على أن مؤازرة المحامي إلزامية في الجنايات، والالتفاف على هذا النص بدعوى خلوه من “جزاء إجرائي صريح” هو هدم للغايات المقاصدية للشارع الحقوقي والقانوني.
2. سلب ضمانة المحاكمة العادلة:
إن التذرع بـ “انتظام سير العدالة” و”الوضع الصحي للمتهمين” لا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال مبرراً للإجهاز على حق الدفاع؛ إذ لا قيمة لـ “المحاكمة داخل أجل معقول” إذا تم تجريد المتهم من وسيلته الوحيدة لحماية حريته وبراءته.
*ثالثا: إغراء التخلي عن الدفاع: خطة للالتفاف على مكتسبات العدالة*:
وما يزيد من خطورة هذه القرارات، هو لجوء المحكمة إلى إصدار أحكام مخففة بشكل غير معتاد في جرائم خطيرة (كإدانة متهمين بجناية الاتجار بالبشر بسنتين نافذة في حدود أشهر معدودة وموقوفة في الباقي). إن هذا المنهج ليس إلا محاولة مكشوفة لإغراء باقي المتهمين وتشجيعهم على التخلي عن التمسك بدفاعهم، مما يشكل خطرا ذا أبعاد إستراتيجية يمهد للاستغناء الممنهج عن المحامي وتحويل محاكمات الجنايات إلى مجرد شكليات إدارية تفقد العدالة روحها وهدفها الأسمى.
*رابعا: المرجعيات الدستورية والدولية المهدرة*:
إن المحاكمة بدون دفاع تصطدم بشكل صارخ مع أعلى القوانين والالتزامات:
– *الدستور المغربي*:
*الفصل 120*: الذي يؤكد أن حقوق الدفاع مضمونة في جميع مراحل التقاضي.
*الفصل 23*: الذي يضمن المساعدة القانونية والحق في الاتصال بالدفاع.
– *قانون المسطرة الجنائية*:
المادة الأولى والمادة 33 اللتان تجعلان من قرينة البراءة وحق الاستعانة بمحامٍ ركنين متلازمين.
– *الاتفاقيات الدولية*:
المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واللتان تفرضان توفير المساعدة القانونية والدفاع الكفء لضمان عدالة المحاكمة.
إن حق الدفاع ليس امتيازا للمحامي ولا ترفا إجرائيا يمكن التنازل عنه تحت أي ذريعة، بل هو درع المواطن المظلوم وضمانة المجتمع ضد التعسف. وإن أي محاولة للالتفاف على احتجاجات المحامين عبر هدم ضمانات المحاكمة العادلة هي خطوة تدفع باتجاه تجريد القضاء من هيبته والمواطن من حمايته القانونية. تطالب كافة الفعاليات الحقوقية والقانونية بالتراجع الفوري عن هذه الممارسات، وتحميل الحكومة ووزارة العدل المسؤولية الكاملة عن التبعات الخطيرة لهذه الممارسات على سيادة القانون وحقوق الإنسان.




