حديث الأربعاء: الانتخابات التشريعية… تذكرة العبور

كلما اقترب موعد الانتخابات التشريعية، عاد إلى الواجهة سؤال قديم داخل الأحزاب السياسية: من سيحصل على التزكية؟ ومن سيمثل الحزب في هذه الدائرة أو تلك؟
لسنوات طويلة، كان هذا السؤال مصدر نقاشات حادة وصراعات داخلية قد تفوق أحيانا في حدتها المنافسة مع الأحزاب الأخرى. فالحصول على الترشيح لم يكن مجرد إجراء تنظيمي، بل كان الخطوة الأولى نحو المؤسسة التشريعية وموقع التأثير في القرار العمومي.
وقد اختلفت الأحزاب في طرق تدبير هذا الملف. فمنها من ترك القرار للقيادة المركزية، ومنها من اعتمد على لجان الانتخابات أو على هياكل تنظيمية مختلفة. غير أن جوهر النقاش ظل واحدا: من هو الأحق بتمثيل الحزب أمام الناخبين؟
في الغالب، كان التنافس يدور بين ثلاث فئات رئيسية.
الفئة الأولى هي المناضلون الحزبيون القاعديون الذين راكموا سنوات من العمل الحزبي الميداني، وبنوا علاقات مستمرة مع المواطنين، وكانوا يعتبرون أن التزامهم ونضالهم يمنحانهم الأسبقية في الترشح.
أما الفئة الثانية فهي فئة الأطر والكفاءات، المركزية من أساتذة جامعيين وخبراء ومسؤولين وإداريين، الذين كانوا يرون أن البرلمان يحتاج إلى الخبرة والمعرفة والقدرة على التشريع ومراقبة السياسات العمومية، وليس فقط إلى الحضور الميداني.
في المقابل، كانت هناك فئة ثالثة تضم أصحاب الإمكانات المالية، مهما كان مصدرها والذين يستندون إلى منطق بسيط: الانتخابات أصبحت معركة مكلفة، والفوز بالمقاعد يحتاج إلى موارد وإمكانات وتنظيم، وبالتالي فإن القدرة على التمويل تمثل عاملا أساسيا في تحقيق النتائج.
ولسنوات طويلة، ظل التوازن قائما، بدرجات متفاوتة، بين هذه المكونات الثلاثة. وكانت معارك الترشيح تعكس هذا التنافس بين الشرعية النضالية والكفاءة والخبرة والقدرة على الفوز.
لكن ما يثير الانتباه اليوم هو الهدوء الذي يطبع عملية اختيار المرشحين في عدد من الأحزاب. فمع أن الانتخابات أصبحت أقرب من أي وقت مضى، لا نلاحظ ذلك الحجم من التوترات والانقسامات الذي كان يميز المراحل السابقة. وكأن ملف الترشيحات فقد الكثير من قدرته على إشعال النقاش الداخلي.
طبعا، يحتاج هذا التحول إلى دراسات علمية وسوسيولوجية دقيقة، لكن الملاحظة الأولية تسمح بطرح بعض الفرضيات.
ففي مرحلة معينة، كانت الأطر والكفاءات أولى ضحايا هذا التنافس. فهي لا تتوفر عادة على القوة المالية التي يمتلكها بعض المرشحين، ولا تملك دائما الامتداد التنظيمي المحلي الذي يميز عددا من المناضلين القاعديين. ومع مرور الوقت، اختارت أعداد مهمة منها الابتعاد عن العمل الحزبي أو تقليص حضورها داخله.
وهكذا تقلصت دائرة التنافس، وأصبح الصراع يدور أساسا بين من يمتلكون الشرعية التنظيمية ومن يمتلكون الإمكانات المالية. غير أن التحولات التي عرفتها الممارسة الانتخابية خلال السنوات الأخيرة جعلت عنصر المال يكتسب أهمية متزايدة في تحديد فرص الترشح والفوز.
لا يتعلق الأمر هنا فقط بتكاليف الحملة الانتخابية، بل أيضا بكل ما يتطلبه الحضور السياسي من إمكانيات لوجستيكية وتنظيمية وتواصلية وزيد وزييد وزييد وزييد …ومع مرور الوقت، أصبح كثيرون ينظرون إلى القدرة المالية باعتبارها شرطا شبه أساسي لخوض المنافسة الانتخابية.
وقد يكون هذا التفسير قاسيا أو مبالغا فيه في بعض الحالات. لكنه يطرح سؤالا حقيقيا حول طبيعة النخب السياسية التي تفرزها الأحزاب اليوم.
ففي الماضي، كانت الأحزاب فضاء يلتقي فيه الرأسمال النضالي والرأسمال المعرفي والرأسمال المالي. وكان التوازن بين هذه العناصر، رغم ما يرافقه من توترات، يساهم في إنتاج نخب متنوعة ويمنح الأحزاب قدرة أكبر على التجدد.
أما حين يتراجع حضور الكفاءات ويضعف وزن النضال الحزبي، ويصبح المال العامل الأكثر تأثيرا في الحسم، فإن الأحزاب لا تخسر فقط بعض أطرها ومناضليها، بل تخسر جزءا من وظيفتها الأساسية باعتبارها مدرسة لإنتاج النخب السياسية.
لذلك، قد لا يكون السؤال الأهم اليوم هو من سيترشح في هذه الدائرة أو تلك، بل أي نوع من النخب السياسية نريد أن تفرزها أحزابنا في المستقبل.
وبين ما يقال وما لا يقال… قد لا تكون أزمة الانتخابات في صناديق الاقتراع، بقدر ما تكمن في تذكرة العبور إليها.




