الرأي

من سرق أكباش المغرب؟

كيف تحولت مليارات الدعم إلى جوع واحتكار وتهديد للأمن الغذائي

 

محمد الطالبي

ستظل صورة آلاف الأسر المغربية وهي عاجزة عن اقتناء أضحية العيد واحدة من أكثر الصور قسوة في تاريخ المغرب الاجتماعي الحديث.

فما وقع لم يكن مجرد أزمة موسمية عابرة، بل نتيجة مباشرة لسنوات من السياسات المرتبكة، ومن صرف مليارات الدراهم على مخططات ودعم وإعفاءات، انتهت بتحويل الأمن الغذائي إلى مصدر خوف يومي للمغاربة.

لقد تحدثت الحكومة عن دعم استيراد مئات الآلاف من رؤوس الأغنام، وعن فتح الباب أمام الإعفاءات الجمركية والضريبية، وعن إجراءات استثنائية لإنقاذ السوق، لكن المواطن لم يرَ سوى الأسعار وهي ترتفع بشكل جنوني.

ففي الوقت الذي كان يفترض أن تنخفض فيه أسعار الأضاحي بفعل الاستيراد والدعم، تجاوزت أثمنة عدد كبير من الأكباش ما بين 4000 و7000 درهم، بينما وصلت بعض السلالات إلى أرقام صادمة بالنسبة لطبقة متوسطة أنهكها الغلاء أصلًا.

والأكثر إثارة أن الأرقام الرسمية نفسها بدت متناقضة بشكل يطرح أكثر من علامة استفهام.

مرة يتم الحديث عن وفرة في العرض تفوق الطلب بملايين الرؤوس، ومرة أخرى تتحدث الأسواق عن خصاص حاد وارتفاع غير مفهوم في الأسعار.

قيل إن القطيع الوطني كافٍ، ثم قيل إن الجفاف أتى على نسبة كبيرة منه.

قيل إن الاستيراد سيعيد التوازن، لكن الأسعار واصلت الاشتعال وكأن شيئًا لم يحدث.

لقد تراجع القطيع الوطني بشكل مخيف خلال أقل من عقد، وفقد المغرب ملايين الرؤوس من الأغنام والأبقار بسبب الجفاف وغلاء الأعلاف وغياب الحماية الحقيقية للكساب الصغير.

وفي المقابل، تضاعفت أسعار الأعلاف والمحروقات والنقل، وتحولت تربية الماشية إلى عبء ثقيل دفع آلاف المربين إلى بيع قطعانهم أو مغادرة القطاع بالكامل.

لكن السؤال الأخطر الذي يطرحه المغاربة اليوم ليس فقط: لماذا ارتفعت الأسعار؟

بل: أين اختفت أكباش المغرب؟

إذا كانت مئات الآلاف من الرؤوس قد دخلت البلاد، وإذا كانت الحكومة تؤكد أن العرض يفوق الطلب، فلماذا بدت الأسواق وكأنها تعيش حالة ندرة حقيقية؟

ولماذا ظل المواطن يطوف بين الأسواق دون أن يجد أثمنة معقولة؟

ومن المستفيد الحقيقي من هذا الاضطراب الكبير؟

إن الأمر لم يعد مجرد اختلال اقتصادي عابر، بل أصبح يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة تدبير السوق، وحول دور المضاربين والوسطاء ولوبيات الاحتكار التي حولت قوت المغاربة إلى مجال للربح الفاحش.

بل إن بعض المغاربة صاروا يتساءلون بمرارة:

هل جرى افتعال الأزمة؟

وهل كان الهدف خلق حالة احتقان اجتماعي ونفسي غير مسبوقة داخل المجتمع المغربي؟

والخطير اليوم أن المغرب لم يعد فقط أمام أزمة غلاء أو سوء تدبير عابر، بل أمام شبكات مجهولة ومتغلغلة أصبحت تتحكم في مفاصل الاقتصاد، حتى في أبسط تفاصيله اليومية.

شبكات لا يعرف المغاربة من يديرها فعلًا، لكنها تملك القدرة على التحكم في الأسعار، وتوجيه الأسواق، وصناعة الندرة، وإسقاط فئات اجتماعية كاملة في الهشاشة والفقر.

لقد جرى خلال السنوات الأخيرة القضاء بصمت على ما تبقى من الفلاحين الصغار والمتوسطين، عبر خلق نموذج جديد من “الفلاح الوهمي”؛ فلاح لا علاقة له بالأرض ولا بالعالم القروي ولا بتاريخ الفلاحة المغربية، بل مجرد واجهة لاستثمارات ضخمة تبحث عن الربح السريع والتصدير واستنزاف الموارد.

هؤلاء لم يطوروا الفلاحة المغربية كما قيل للمغاربة، بل ساهموا في تحويلها إلى مشروع احتكاري ضخم، قائم على الاستحواذ على الأراضي والمياه والدعم العمومي، بينما كان الفلاح الحقيقي يُطرد تدريجيًا من البادية المغربية نحو الهامش والفقر والهجرة.

لقد تحولت مساحات واسعة من الأراضي إلى ضيعات كبرى موجهة للتصدير، تستهلك كميات مهولة من المياه، وتستفيد من الامتيازات والتحفيزات، في حين أصبح الفلاح الصغير عاجزًا حتى عن شراء الأعلاف أو حفر بئر أو الحفاظ على قطيعه البسيط.

والنتيجة اليوم واضحة:

قرى تفرغ من سكانها،

وفلاحون يبيعون أراضيهم تحت الضغط،

وشباب يهاجر نحو المدن أو الخارج،

وبادية مغربية تفقد روحها وتاريخها لصالح اقتصاد ريعي ضخم لا ينتج العدالة ولا الاستقرار.

وفي الوقت نفسه، استمرت صادرات الخضر والفواكه والزيوت نحو الخارج، بينما كان المواطن المغربي يواجه أسعارًا ملتهبة حتى في أبسط المواد الأساسية.

فالطماطم التي ينتجها المغرب بكميات ضخمة أصبحت تباع داخل البلاد بأثمان ترهق الفقراء، وزيت الزيتون تحول إلى مادة شبه فاخرة، واللحوم الحمراء أصبحت غائبة عن موائد واسعة من الشعب.

أما العالم القروي، فقد تحول إلى مساحة للهشاشة واليأس بعد سنوات من استنزاف الفرشة المائية، وتغول الزراعات الموجهة للتصدير، وغياب العدالة في توزيع الدعم الفلاحي.

فبينما استفادت الشركات الكبرى والفلاحات الضخمة من الامتيازات، كان الفلاح الصغير يسقط بصمت تحت وطأة الجفاف والديون وارتفاع التكاليف.

إن ما يعيشه المغرب اليوم ليس فقط أزمة غلاء، بل أزمة ثقة عميقة.

أزمة شعب يرى المليارات تُصرف باسمه، لكنه لا يجد أثرها في الأسواق ولا في حياته اليومية.

ويرى التناقض في التصريحات، والفوضى في الأرقام، والارتباك في القرارات، بينما الحقيقة الوحيدة الثابتة هي اتساع دائرة الفقر والتعب والخوف من المستقبل.

وفي الختام، فإن ما وقع ويقع اليوم لا يمكن اختزاله في أخطاء تقنية أو اختلالات ظرفية، بل يتعلق بممارسات وسياسات وتدبير خطير أوصل المغرب إلى وضع أصبحت فيه السيادة الغذائية مهددة، والفلاح الصغير مسحوقًا، والمواطن عاجزًا عن تأمين أبسط شروط العيش الكريم.

لقد صار من الضروري فتح تحقيقات حقيقية وجدية حول مصير مليارات الدراهم التي صُرفت باسم دعم الفلاحة والاستيراد وحماية القدرة الشرائية، وحول الجهات التي استفادت من الفوضى والمضاربات واحتكار الأسواق، وحول من تسبب في إنهاك القطيع الوطني واستنزاف الموارد المائية وتحويل قوت المغاربة إلى مجال للربح والامتيازات.

كما أن المرحلة تفرض ترتيب المسؤوليات وربطها بالمحاسبة، وإنزال جزاءات صارمة وثقيلة في حق كل من ثبت تورطه في ممارسات أضرت بالأمن الغذائي للمغاربة، وعرّضت الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للوطن للخطر.

لأن الأمر لم يعد يتعلق فقط بغلاء الأسعار، بل بمسار كامل يهدد الثقة داخل المجتمع، ويمس بصورة الدولة، ويجعل المواطن يشعر بأن وطنه لم يعد يحميه كما ينبغي.

وحين يصل العبث بقوت الناس إلى هذا المستوى، فإن الصمت يصبح شراكة، والمحاسبة تصبح واجبًا وطنيًا قبل أن تكون مجرد خيار سياسي أو قانوني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى