مهنة المحاماة بين رسالة الدفاع و”الريع الوظيفي”: قراءة في مخاطر “عقيدة الاستثناء”

ذ/ عبد اللطيف أيت بوجبير

تواجه مهنة المحاماة بالمغرب، من خلال مشروع القانون رقم 66.23 والتعديلات المقترحة عليه، منعرجا وجوديا يضع “هويتها النضالية” على المحك. ولعل أكثر النقاط إثارة للقلق هي تلك التي تفتح أبواب المهنة على مصراعيها لفئات إدارية ووظيفية عبر بوابة “الإعفاءات”، وهو ما يمكن تسميته بـ “عقيدة الاستثناء” التي تهدد بتحويل حصن الدفاع إلى ملاذ لتصريف الفائض الإداري.
1. الاستثناء حين يبتلع القاعدة: تكريس “التمييع” الممنهج:
إن الأصل في ولوج المحاماة هو “الأهلية” و”التمرين”، وهما المساران اللذان يصقلان شخصية المحامي. أما التوسع في إعفاء موظفي كتابة الضبط، وأطر البرلمان، وغيرهم، فيحول “الاستثناء” إلى قاعدة موازية. هذا التوجه لا يخدم العدالة بقدر ما يساهم في “تمييع” الجسم المهني، حيث يتم إغراق المحاكم بممارسين يفتقدون للحد الأدنى من “التكوين الوجداني” على تقاليد المهنة وأعرافها، ويتعاملون معها بمنطق “الوظيفة الثانية” أو “الامتياز المكتسب” بعد التقاعد.
2. من “عقيدة الطاعة” إلى “روح التمرد”: الصدام السيكولوجي:
تكمن الخطورة الكبرى في الاختلاف الجوهري بين التكوين الإداري والتكوين المهني. فالموظف (سواء في المحكمة أو البرلمان) يشتغل ضمن تراتبية قائمة على “التعليمات” و”عقيدة الطاعة” والولاء للمرفق العام. بينما المحاماة هي مهنة “التمرد القانوني” والاستقلالية المطلقة تجاه الإدارة والقضاء.
إن إقحام آلاف الموظفين في المهنة دون فترة تمرين كافية يفرز جيلا من “المحامين الموظفين” الذين قد يغلبون المنطق الإداري والصلح الهش على منطق المواجهة القانونية الشرسة من أجل حماية الحقوق والحريات.
3. المحاماة ليست “بقرة حلوب”: تهافت المصالح وضياع الحقوق:
إن التعامل مع المحاماة بصفتها “الدجاجة التي تبيض ذهبا” لبعض الفئات التي قضت سنوات في الإدارة، يضرب في الصميم قدسية الرسالة. فالتهافت على الولوج من أجل الامتيازات الاجتماعية والمادية فقط، دون تشبع بقيم التضحية والتفرغ، يؤدي إلى:
– تضخم كمي مخيف: مما يخلق بطالة مقنعة وصراعات مهنية غير شريفة.
– انخفاض جودة الدفاع: حيث يكتفي “المحامي الوافد عبر الاستثناء” بالمعرفة الإجرائية (المساطر) دون القدرة على صناعة الاجتهاد القضائي أو الترافع الحقوقي المعمق.
– إضعاف مؤسسة النقيب: عندما يصبح جزء كبير من الهيئة غريبا عن تقاليدها، تضعف القوة التفاوضية للمحامين وتتفكك اللحمة المهنية.
4. عدالة “الطبقات”: ضرب مبدأ المساواة:
كيف يمكن إقناع شاب قضى سنوات من التكوين والكدح لتجاوز مباراة الأهلية، ثم ثلاث سنوات من التمرين الشاق “بدون أجر”، بأن هناك “مساراً سريعا” (Fast Track) يسمح للموظف بالمرور مباشرة إلى الجدول؟ إن هذا التمييز التشريعي يخلق “محاماة بطبقتين”: طبقة المناضلين الشباب، وطبقة “المحظوظين الإداريين”، مما يولد شعورا بالظلم داخل الجسم المهني الواحد.
5. كلمة أخيرة: نحو تحصين القلعة:
إن مبررات “تثمين الخبرة” التي تسوقها التعديلات المقترحة، رغم جاذبيتها الظاهرية، تظل قاصرة عن فهم “روح المهنة”. فالخبرة الإدارية لا تعوض أبداً “العقيدة المهنية”.
إن تحصين مهنة المحاماة يتطلب العودة إلى الصرامة في شروط الولوج، وجعل “التمرين” ممرا إجباريا للجميع دون استثناء، لأن حقوق المتقاضين وحرياتهم ليست “حقلا للتجارب” أو مكافأة نهاية خدمة للموظفين.
إن المحاماة إما أن تكون مهنة أحرار مستقلين، أو لا تكون.




