اللوجستيك لم يعد مجرد نشاط تقني مرتبط بالنقل والتخزين بل تحول إلى رافعة استراتيجية أساسية لتعزيز تنافسية المقاولات
علي برادة في افتتاح المعرض الدولي للنقل واللوجستيك لإفريقيا والمتوسط “لوجيسميد”

عرفت مدينة الدار البيضاء، أمس الثلاثاء 12 ماي 2026 ، انطلاق فعاليات الدورة الثالثة عشرة من المعرض الدولي للنقل واللوجستيك لإفريقيا والمتوسط “لوجيسميد”، تحت شعار: “منظومة لوجيستيكية ذكية: ربط المجالات الترابية وإعادة ابتكار سلاسل التوريد”، وذلك بحضور عدد من المسؤولين الحكوميين والفاعلين الاقتصاديين والدبلوماسيين، في مقدمتهم وزير النقل واللوجستيك عبد الصمد قيوح، ورئيس مجلس جهة الدار البيضاء-سطات عبد اللطيف معزوز، وسفير إسبانيا بالمغرب إنريكي أوخيدا فيلا، إلى جانب نائب رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب حكيم المراكشي.
وشكل افتتاح هذه التظاهرة الاقتصادية الدولية مناسبة لتأكيد الأهمية المتزايدة التي بات يحتلها قطاع النقل واللوجستيك في الاقتصاد الوطني والدولي، في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها سلاسل التوريد العالمية، والتحديات المرتبطة بالرقمنة، والاستدامة، والربط بين الأسواق والقارات.
وفي كلمة بالمناسبة، أكد رئيس المعرض علي برادة أن اللوجستيك لم يعد مجرد نشاط تقني مرتبط بالنقل والتخزين، بل تحول إلى رافعة استراتيجية أساسية لتعزيز تنافسية المقاولات، وتحسين جاذبية المجالات الترابية، وترسيخ سيادة الدول الاقتصادية، خاصة في سياق عالمي يتسم بعدم اليقين وتنامي التحديات الجيوسياسية والاقتصادية.

وأوضح برادة أن المغرب استطاع خلال السنوات الأخيرة أن يرسخ موقعه كمنصة لوجيستيكية إقليمية وقارية، مستفيدا من موقعه الجغرافي الاستراتيجي كبوابة بين إفريقيا وأوروبا، ومن بنياته التحتية الحديثة التي تستجيب للمعايير الدولية، فضلا عن الرؤية الاستراتيجية الطموحة التي تنهجها المملكة في هذا المجال.
وأضاف أن الرهانات الجديدة تفرض الانتقال نحو منظومة لوجيستيكية ذكية ومتكاملة، تقوم على الربط الفعال بين المجالات الترابية والفاعلين الاقتصاديين والتكنولوجيات الحديثة والبيانات الرقمية، مشيرا إلى أن اللوجستيك الحديث أصبح يعتمد بشكل متزايد على الابتكار والذكاء الاصطناعي والقدرة على اتخاذ القرار بشكل فوري، بهدف تطوير سلاسل توريد أكثر مرونة واستدامة وسيادة.
من جهته، شدد وزير النقل واللوجستيك عبد الصمد قيوح على أن قطاع النقل واللوجستيك أضحى أحد الأعمدة الأساسية للتنافسية الاقتصادية والتنمية المستدامة بالمغرب، مبرزا أن المملكة، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، أطلقت خلال السنوات الأخيرة مجموعة من المشاريع والإصلاحات المهيكلة التي تهدف إلى تعزيز مكانة المغرب كمركز لوجستيكي إقليمي يربط بين إفريقيا وأوروبا وحوض البحر الأبيض المتوسط.
وأكد الوزير أن تنظيم معرض “لوجيسميد” يشكل محطة مهمة لتقييم الجهود المبذولة لتطوير القطاع، والوقوف على التحولات التي يشهدها، خاصة في ما يتعلق بتسريع تنزيل الاستراتيجية الوطنية لتطوير التنافسية اللوجستيكية، من خلال إحداث مناطق لوجستيكية جديدة وتطوير بنيات تحتية حديثة بمختلف جهات المملكة.
وفي هذا السياق، كشف قيوح أن الدولة عبأت مئات الهكتارات لإقامة مناطق لوجستيكية مندمجة، في إطار بناء شبكة وطنية قادرة على مواكبة متطلبات الاقتصاد الوطني واستيعاب التدفقات المتزايدة للبضائع والخدمات.
وأشار إلى أن أشغال تهيئة المنطقة اللوجستيكية أولاد صالح، الواقعة ضمن الممر اللوجستيكي زناتة-النواصر الرابط بين شمال وجنوب الدار البيضاء، تتواصل بوتيرة متقدمة، مضيفا أن هذا المشروع، الممتد على مساحة 70 هكتارا، يرتقب الانتهاء من أشغاله خلال صيف سنة 2026.
كما أعلن الوزير عن انطلاق مشروع المنصة اللوجستيكية والصناعية المندمجة بزناتة، بالإضافة إلى إحداث قطب صناعي ولوجستيكي جديد يمتد على مساحة 120 هكتارا، بشراكة مع وزارة الصناعة والتجارة وجهة الدار البيضاء-سطات، بهدف تعزيز جاذبية الاستثمارات وتحفيز التنمية الاقتصادية المستدامة.
وعلى مستوى جهة سوس-ماسة، أوضح قيوح أن المنطقة اللوجستيكية بالقليعة جنوب أكادير شهدت تسويق البقع المهيأة لفائدة المستثمرين، ما من شأنه أن يساهم في تطوير الخدمات اللوجستيكية بالجهة، فيما تحظى الأقاليم الجنوبية بدورها باهتمام خاص من خلال مشاريع لوجستيكية مهيكلة بجهة الداخلة-وادي الذهب، تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية.
وسجل الوزير كذلك الارتفاع الملحوظ للاستثمارات الخاصة في قطاع اللوجستيك، مؤكدا أن الحكومة تعمل على إدماج القطاع ضمن أولويات ميثاق الاستثمار، خاصة لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة، بما يعزز خلق القيمة المضافة ويدعم تنافسية الاقتصاد الوطني.
وفي سياق متصل، أبرز قيوح أن المغرب مطالب اليوم بمضاعفة جهوده لتأهيل منظومته اللوجستيكية، في ظل الاستعداد للمواعيد الدولية الكبرى، وكذا بالنظر إلى التحولات العالمية المتسارعة التي تؤثر بشكل مباشر على سلاسل التوريد والتجارة الدولية.
من جانبه، أكد سفير إسبانيا بالمغرب إنريكي أوخيدا فيلا أن العلاقات المغربية الإسبانية تشكل نموذجا لشراكة استراتيجية متينة في مجال النقل واللوجستيك، مشددا على أن بلاده تسعى إلى مواصلة دعم المشاريع المشتركة من خلال خبرتها في الابتكار والتدبير اللوجستيكي.
وأوضح السفير الإسباني أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين تعرف تطورا متواصلا، حيث تعد إسبانيا الشريك التجاري الأول للمغرب، فيما يمثل المغرب أول شريك اقتصادي لإسبانيا في إفريقيا وثالث سوق خارج الاتحاد الأوروبي بعد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

كما نوه بالحضور القوي والمتزايد للمقاولات الإسبانية بالمغرب، سواء من خلال الاستثمارات أو المساهمة في تحديث النسيج الإنتاجي الوطني، معتبرا أن مشاركة إسبانيا كضيف شرف لهذه الدورة تعكس عمق العلاقات الثنائية والطموح المشترك لتطوير قطاع لوجستيكي أكثر نجاعة واستدامة.
أما نائب رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب حكيم المراكشي، فقد دعا إلى ضرورة التوصل إلى اتفاقية شاملة للنقل البري بين المغرب والاتحاد الأوروبي، من شأنها تجاوز نظام المحاصصة الثنائية وتسهيل تنقل السائقين المهنيين، بعيدا عن القيود المرتبطة بتأشيرات “شنغن”.
وأشار المراكشي إلى أن المغرب نجح في تطوير بنياته المينائية بشكل لافت، غير أن التحدي المطروح اليوم يتمثل في تحديث البنية الوطنية للنقل الطرقي، وإرساء سوق داخلية أكثر سلاسة وتنافسية، بما يسمح للقطاع الخاص بالقيام بدوره في إطار تنظيمي واضح ومستقر.
ومن المرتقب أن تستقطب دورة هذه السنة من معرض “لوجيسميد” أزيد من 7000 زائر مهني يمثلون مختلف القطاعات الاقتصادية، بهدف الاطلاع على أحدث الحلول والخدمات المرتبطة باللوجستيك والنقل وسلاسل التوريد.
ويتضمن برنامج التظاهرة سلسلة من الندوات والموائد المستديرة والجلسات الموضوعاتية، بمشاركة أكثر من 50 متدخلا وطنيا ودوليا، سيناقشون قضايا الذكاء الاصطناعي، والتجارة الإلكترونية، والأمن السيبراني، والمناطق اللوجستيكية، والاستثمار العمومي، والربط الترابي.
كما تعرف هذه الدورة تنظيم عدد من الأنشطة الموازية، من بينها “أيام الابتكار”، ولقاءات الأعمال الثنائية، وفضاءات مخصصة للتكوين والمهارات، فضلا عن إطلاق تطبيق “MyLogismed”، في خطوة تروم تعزيز التفاعل الرقمي وتطوير الخدمات المقدمة للمهنيين والزوار.

وتشارك إسبانيا في المعرض بجناح رسمي يضم 27 شركة ومؤسسة متخصصة في مختلف مجالات سلسلة القيمة اللوجيستيكية، تشمل خدمات النقل، وتدبير الموانئ، والرقمنة، وخدمات التجارة الدولية، بما يعكس متانة الشراكة الاقتصادية بين الرباط ومدريد وآفاق تطويرها مستقبلا.




