المحمدية ليست عقيمة… بل تُقصى في عقر دارها

بقلم: جواد حاضي
ليست المحمدية مدينة تبحث عن هوية، ولا تنتظر من يمنحها شرعية الفرح. هي مدينة ولّادة، بتاريخها، بناسها، وبذاكرتها الجماعية التي صنعت عبر عقود مهرجانات واحتفالات كانت في وقت من الأوقات مرجعاً وطنياً، بل وسبّاقة حتى على كبريات المدن. لذلك، فإن ما يحدث اليوم يطرح أكثر من علامة استفهام، ويفتح باباً واسعاً للنقاش حول من يملك الحق في تمثيل المدينة… ومن يستفيد فعلاً من ميزانياتها.
أن تُسلَّم مفاتيح تنظيم مهرجان الزهور لشركة قادمة من خارج المدينة، تابعة لجماعة الدار البيضاء، فذلك ليس مجرد اختيار تقني أو إداري عابر، بل قرار يحمل في طياته رسائل سلبية عميقة. أولها أن الكفاءات المحلية غير قادرة – وهو ادعاء باطل – وثانيها أن المال العام يمكن أن يُصرف بعيداً عن من يستحقه فعلاً.
نصف مليار سنتيم خُصصت لهذا المهرجان. رقم ليس بالهين، وكان من الممكن أن يشكّل رافعة حقيقية لطاقات المدينة: شبابها، جمعياتها، فنانيها، ومقاولاتها الثقافية. لكن، بدل ذلك، نجد أنفسنا أمام نموذج مستورد، يُقصي أبناء المحمدية من أبسط حقوقهم: المشاركة في صنع الحدث الذي يُقام فوق ترابهم.
الأكثر إثارة للجدل، بل والاستفزاز، هو فرض تسعيرات تتراوح بين 200 و350 درهماً لحضور بعض السهرات المدرجة ضمن برنامج المهرجان. منذ متى أصبحت مهرجانات المدن، الممولة من المال العام، حكراً على من يملك القدرة على الدفع؟ وأين هو مبدأ إتاحة الثقافة والفن للجميع؟
في الندوة الصحفية، لم تكن أسئلة الصحافة المحلية عابرة. كانت صريحة، مباشرة، وتحمل غضباً مشروعاً: لماذا تم إقصاء أبناء المدينة من التكريم؟ من التنشيط؟ من التنظيم؟ لماذا يُحتفى بالغريب ويُهمَّش ابن الدار؟ أسئلة لم تجد أجوبة مقنعة، لأن جوهر الإشكال لا يكمن في التفاصيل، بل في الفلسفة التي تُدار بها مثل هذه التظاهرات.
المحمدية ليست مجرد فضاء جغرافي تُقام فيه أنشطة عابرة، بل كيان حيّ، له ذاكرة وكرامة. وعندما يشعر أهلها بأن مدينتهم تُدار من الخارج، وبأن خيراتها لا تعود عليهم، فإن الأمر يتحول من مجرد انتقاد إلى إحساس عميق بالحيف.
إن تنظيم مهرجان الزهور يجب أن يكون مناسبة للاحتفاء بالمحمدية، لا لتهميشها. فرصة لإبراز طاقاتها، لا لإقصائها. لحظة لإعادة الاعتبار لثقافتها المحلية، لا لاستنساخ نماذج جاهزة لا تعكس روحها.
المحمدية ليست عقيمة… بل هناك من يحاول أن يجعلها كذلك، حين يُقصي أبناءها من حقهم الطبيعي في الإبداع والمشاركة. والرهان اليوم ليس فقط على نجاح مهرجان، بل على استرجاع الثقة، وصون كرامة مدينة كانت دائماً قادرة على أن تصنع الفرح بنفسها… ولأجل نفسها.




