مجتمع

ملف الإدماج المهني يعود بقوة و خريجو المعهد الملكي يطرقون أبواب الحلول

 

ملف الإدماج المهني لخريجي المعهد الملكي لتكوين الأطر يعود إلى الواجهة من خلال لقاء تواصلي جمع رئيس منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة  صلاح الدين عبقري مع ممثلي تنسيقية الخريجين في محطة اعتُبرت مفصلية لإعادة طرح هذا الملف ضمن أولويات الأجندة السياسية والمؤسساتية. و شكل هذا اللقاء لحظة بوح جماعي عبر فيها الخريجون عن حجم الإحباط الذي راكمته سنوات من الانتظار في مقابل تشبث قوي بحقهم في الإدماج العادل والمنصف داخل سوق الشغل، فهؤلاء الخريجون الذين تلقوا تكوينا متخصصا يجمع بين البعد البيداغوجي والتأطيري والمعرفي يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع مهني ضبابي يتسم بغياب مسارات واضحة للتوظيف وتذبذب السياسات العمومية المرتبطة بقطاع الشباب.وقد استعرض ممثلو التنسيقية خلال هذا اللقاء جملة من الإكراهات البنيوية التي تعترض مسارهم المهني وفي مقدمتها محدودية المناصب المالية المخصصة لقطاع الشباب وغياب تخطيط استراتيجي يستوعب الأعداد المتزايدة من الخريجين فضلا عن الإشكالات المرتبطة بعدم تكافؤ الفرص حيث يشعر العديد منهم بأن كفاءاتهم لا تستثمر بالشكل الذي يعكس قيمة التكوين الذي تلقوه داخل مؤسسة عمومية يفترض أنها رافعة أساسية لتأهيل الموارد البشرية.

 

برزت إشكالية “الملاءمة” كواحدة من أبرز التحديات المطروحة إذ يتساءل الخريجون عن جدوى تكوين عالي الجودة في غياب منافذ حقيقية للإدماج وعن مدى انسجام السياسات التعليمية مع التحولات التي يعرفها سوق الشغل وهي مفارقة تعكس خللا بنيويا في العلاقة بين منظومة التكوين ومنظومة التشغيل وتدعو إلى إعادة التفكير في نماذج التخطيط القطاعي بما يضمن استباق الحاجيات وتفادي تراكم البطالة في صفوف الكفاءات ،و أكد  صلاح الدين عبقري أن هذا الملف يكتسي طابعا استراتيجيا نظرا لارتباطه المباشر بفئة الشباب التي تشكل عماد التنمية وأحد أهم رهانات الاستقرار الاجتماعي وأبرز أن منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة تنظر إلى قضية الإدماج المهني باعتبارها أولوية سياسية تتطلب تظافر الجهود بين مختلف المتدخلين من قطاعات حكومية ومؤسسات عمومية وفاعلين مدنيين.وشدد المتحدث ذاته على أهمية الإنصات الحقيقي لمطالب الخريجين معتبرا أن الحوار الجاد والمسؤول هو المدخل الأساسي لصياغة حلول واقعية وقابلة للتنفيذ بعيدا عن المقاربات الظرفية أو المعالجات الترقيعية كما عبر عن استعداد المنظمة لمواكبة هذا الملف والترافع بشأنه لدى الجهات المعنية في أفق الدفع نحو بلورة سياسات أكثر إنصافا وفعالية.

 

ولم يخل اللقاء من طرح مقترحات عملية عكست وعيا جماعيا بضرورة الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الفعل، ومن بين هذه المقترحات، الدعوة إلى إحداث مناصب شغل تتلاءم مع تخصصات خريجي المعهد وإدماجهم ضمن البرامج الوطنية الموجهة للشباب إضافة إلى اعتماد معايير شفافة وعادلة في مباريات التوظيف بما يضمن تكافؤ الفرص ويعزز الثقة في المؤسسات.كما تم التأكيد على أهمية إرساء شراكات بين القطاعين العام والخاص لفتح آفاق جديدة أمام الخريجين، وتمكينهم من الانخراط في مشاريع تنموية ومبادرات ميدانية تستثمر مؤهلاتهم في مجالات التأطير والتكوين والتنشيط وهو توجه ينسجم مع التحولات التي يعرفها سوق الشغل والتي باتت تفرض نماذج أكثر مرونة وابتكارا في التشغيل.ويأتي هذا اللقاء في سياق أوسع يشهد تصاعد النقاش العمومي حول قضايا البطالة خاصة في صفوف حاملي الشهادات حيث لم يعد الأمر يقتصر على مطلب الشغل في حد ذاته بل تجاوز ذلك ليشمل المطالبة بالكرامة المهنية والاعتراف بالكفاءة وضمان شروط الإنصاف والعدالة.وبين تطلعات الخريجين وإكراهات الواقع تبدو معركة الإدماج المهني مفتوحة على عدة سيناريوهات تتراوح بين الاستجابة التدريجية للمطالب أو استمرار حالة الانتظار التي قد تفاقم منسوب الاحتقان. غير أن المؤكد هو أن هذا الملف لم يعد قابلا للتجاهل وأن صوت الخريجين بات حاضرا بقوة في الفضاء العمومي مدعوما بوعي متزايد بأهمية الترافع السلمي والمؤطر.

 

إن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بإدماج فئة معينة في سوق الشغل بل يتجاوز ذلك إلى إعادة بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات وإرساء نموذج تنموي يقوم على تثمين الكفاءات واستثمار الرأسمال البشري، فخريجو المعهد الملكي لتكوين الأطر لا يطالبون بامتيازات بقدر ما ينادون بحق مشروع في فرصة عادلة تمكنهم من تحويل معارفهم إلى أثر ومؤهلاتهم إلى قيمة مضافة داخل المجتمع.وفي انتظار ترجمة الوعود إلى إجراءات ملموسة يبقى هذا اللقاء خطوة أولى في مسار طويل قد يحدد مآلاته مدى جدية التفاعل المؤسساتي وقدرة الفاعلين على تحويل النقاش إلى قرارات والتطلعات إلى إنجازات بما يفتح آفاقا جديدة أمام جيل من الشباب اختار أن يكون جزءا من الحل لا مجرد رقم في معادلة الانتظار.غير أن استكمال هذا المسار يظل رهينا بمدى القدرة على الانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى منطق الإصلاح الهيكلي ذلك أن الإشكال الذي يطرحه خريجو المعهد الملكي لتكوين الأطر لا يمكن اختزاله في مطلب التوظيف فقط بل يعكس خللا أعمق في هندسة السياسات العمومية المرتبطة بالتكوين والتشغيل، فغياب الالتقائية بين مختلف المتدخلين وتشتت البرامج وضعف التنسيق بين القطاعات كلها عوامل تساهم في تعقيد مسار الإدماج وتفرغ الجهود المبذولة من فعاليتها.وفي هذا الإطار يبرز دور التخطيط الاستراتيجي كآلية أساسية لتجاوز هذه الاختلالات من خلال اعتماد مقاربات استباقية تقوم على تشخيص دقيق لحاجيات سوق الشغل وربطها بمخرجات مؤسسات التكوين بما يضمن تحقيق نوع من التوازن بين العرض والطلب. كما يقتضي الأمر إعادة النظر في آليات التوظيف العمومي بما يجعلها أكثر مرونة وقدرة على استيعاب الكفاءات المتخصصة خاصة في القطاعات التي تعرف دينامية متسارعة كقطاع الشباب ،كما أن الرهان على الزمن يظل عاملا حاسما في هذا الملف إذ أن استمرار حالة الانتظار دون أفق واضح قد يؤدي إلى فقدان الثقة، ليس فقط في المؤسسات بل أيضا في جدوى التكوين ذاته وهو ما يفرض تسريع وتيرة الإصلاح واتخاذ إجراءات ملموسة تعكس الإرادة الحقيقية في معالجة هذا الإشكال.

 

إن معركة الإدماج المهني، كما تتجلى اليوم من خلال حراك خريجي المعهد الملكي لتكوين الأطر ليست معركة فئة بعينها، هي تعبير عن سؤال مجتمعي عميق يتعلق بموقع الكفاءة في سلم الأولويات وبمدى قدرة الدولة على تحويل الاستثمار في الإنسان إلى قوة إنتاجية حقيقية.وبين واقع يفرض إكراهاته وطموح يرفض الانكسار يواصل الخريجون نضالهم المشروع مستندين إلى وعي متزايد بحقوقهم وإلى إيمان راسخ بأن التغيير ممكن وأن الأمل مهما طال انتظاره يظل أقوى من كل أشكال التهميش.إن مستقبل هذا الملف سيقاس ليس فقط بعدد المناصب التي سيتم إحداثها بل بمدى نجاح السياسات العمومية في إعادة الاعتبار للكفاءة وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص وبناء نموذج تنموي ينصف الإنسان ويمنحه المكانة التي يستحقها كفاعل أساسي في صناعة التحول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى