الرأي

التعاون بين الجمعيات ضرورة مجتمعية لبناء تنمية مستدامة

 

حكيم السعودي

ما يطرح اليوم داخل الحقل الجمعوي ليس مجرد سؤال عابر حول غياب التنسيق بل هو مرآة تعكس عمق أزمة في الوعي الجماعي وفي طريقة تمثلنا لدورنا داخل المجتمع. حين نتساءل لماذا لا تتوحد الجمعيات ولماذا يغيب التعاون بينها رغم وحدة الهدف المعلن وهو خدمة الأطفال والشباب فإننا في الحقيقة نلامس طبقات متعددة من الإشكال تبدأ من الذات ولا تنتهي عند بنية المجتمع ومؤسساته.ان أول ما يواجهنا هو ذاك الحاجز النفسي الخفي الذي لا يقال بصوت عال لكنه حاضر في السلوك والممارسة؛ نزعة التمركز حول الذات والخوف من فقدان “الزعامة الرمزية” حيث تتحول بعض الجمعيات إلى جزر مغلقة تحرس حدودها الوهمية وكأن التعاون تهديد لا فرصة. هذا الشعور يولد نوعا من التنافس السلبي لا ذاك الذي يحفز الإبداع بل الذي يغذي الحسد التنظيمي ويقتل روح الشراكة. فبدل أن تبنى العلاقات على الثقة و أن يكون الآخر شريكا يصبح خصما محتملا ثم هناك إشكال مرتبط بثقافة العمل الجمعوي نفسها حيث لا تزال بعض الجمعيات تشتغل بمنطق المناسبات لا بمنطق المشاريع وبعقلية التدبير اليومي لا برؤية استراتيجية،و في غياب مشروع واضح المعالم يصبح من الصعب البحث عن شريك لأن الشراكة تحتاج إلى وضوح في الأهداف وتكامل في الأدوار. كيف لجمعية لا تعرف وجهتها أن تنفتح على أخرى؟ وكيف يمكن بناء اتفاقيات شراكة في ظل غموض الرؤية وارتجالية التخطيط؟
ولا يمكن إغفال عامل ضعف التكوين، فالكثير من الفاعلين الجمعويين لم تتح لهم فرصة التأهيل الكافي في مجالات الحكامة والتدبير التشاركي، وتقنيات الترافع وبناء الشبكات. وهنا يتحول العمل الجمعوي إلى اجتهادات فردية قد تكون صادقة لكنها تظل محدودة الأثر. إن غياب الكفاءة لا يقل خطورة عن غياب النية لأن النية وحدها لا تصنع تنمية.أما على مستوى العلاقة مع المؤسسات فهناك أيضا نوع من التردد أو سوء الفهم المتبادل بين الجمعيات والسلطات أو الجماعات الترابية. بعض الجمعيات تنظر إلى هذه المؤسسات بعين الريبة وتعتبرها عائقا بدل أن تراها شريكا محتملا وفي المقابل قد تنظر بعض الجهات الرسمية إلى الجمعيات نظرة تقليدية تختزلها في أدوار ثانوية. هذا التباعد يخلق فجوة كان من الممكن أن تتحول إلى جسر للتعاون والتكامل.ثم يأتي سؤال النجاح هل كل الجمعيات ناجحة؟ بالتأكيد لا. النجاح في العمل الجمعوي لا يقاس بعدد الأنشطة ولا بكثرة الصور المنشورة بل بمدى الأثر الحقيقي في حياة الناس. هناك جمعيات تشتغل في صمت لكنها تحدث فرقا عميقا وأخرى تملأ الفضاء ضجيجا دون أثر يذكر، وهذا التفاوت في الأداء ينعكس بدوره على إمكانية بناء شراكات لأن الثقة تبنى على المصداقية والنتائج.أما فكرة انعزال الجمعية واعتمادها على نفسها فهي في زمننا هذا أشبه بمحاولة السباحة ضد التيار. العالم اليوم قائم على الشبكات، على تقاطع الأدوار، على تكامل الجهود. حتى الدول بكل ما تملك من سيادة وإمكانيات لم تعد قادرة على العيش في عزلة، فكيف بجمعية محدودة الموارد؟ إن الانفتاح لم يعد خيارا بل ضرورة وجودية لأي إطار يسعى إلى الاستمرار والتأثير.إن ما نحتاجه اليوم ليس فقط دعوة عامة إلى التعاون بل إعادة بناء ثقافة العمل الجمعوي على أسس جديدة: الثقة بدل الشكزو التكامل بدل التنافس و المشروع بدل النشاط والتأثير بدل الظهور. نحتاج إلى شجاعة نقد الذات، أن تقف كل جمعية أمام مرآتها وتسأل: ماذا قدمنا فعلا؟ ما هو أثرنا؟ كيف هي علاقاتنا؟ هل نحن جزء من الحل أم جزء من المشكلة؟
التعاون بين الجمعيات ليس ترفا تنظيميا بل هو شرط أساسي لأي تنمية حقيقية. حين تتوحد الجهود، تتضاعف الإمكانيات وتتوسع دائرة التأثير ويصبح العمل أكثر نجاعة واستدامة أما حين يظل كل فاعل منغلقا داخل حدوده الضيقة فإننا نهدر طاقات هائلة كان يمكن أن تصنع فرقا كبيرا في حياة الأطفال والشباب الذين نعنيهم بخطابنا.

المسألة ليست في غياب الإمكانيات بقدر ما هي في غياب الإرادة المشتركة. فإذا توفرت هذه الإرادة سقطت كل الحواجز الأخرى وأصبح التعاون ممكنًا بل طبيعيا. أما إذا استمر كل طرف في التموقع داخل دائرته المغلقة فسنظل نعيد نفس الأسئلة ونكتب نفس المقالات دون أن يتغير شيء في الواقع.وإذا أردنا أن نغوص أكثر في عمق هذا الواقع سنجد أن أزمة التعاون بين الجمعيات ليست فقط أزمة بنية أو إمكانيات بل هي أيضاً أزمة معنى. لقد أصبح العمل الجمعوي عند البعض مجرد واجهة اجتماعية أو وسيلة للظهور بدل أن يكون رسالة والتزاما أخلاقيا تجاه المجتمع. حين يغيب المعنى تتحول المبادرات إلى أنشطة معزولة وتفقد الشراكات روحها لأن الشراكة في جوهرها ليست توقيع اتفاق و إنما هي تقاطع قيم ورؤية مشتركة.في كثير من الأحيان، نوقع اتفاقيات تبقى حبيسة الرفوف، لا روح فيها ولا أثر لأننا لم نؤسسها على حاجة حقيقية ولا على إرادة صادقة للتكامل. نكتب كلمات جميلة عن التعاون لكننا في الممارسة اليومية نعيد إنتاج نفس الأنماط: احتكار المعلومة، غياب التشاور، ضعف التواصل وانعدام آليات التنسيق وكأننا نعيش ازدواجية بين الخطاب والممارسة، بين ما نقوله وما نفعله.ثم إن هناك عاملا آخر لا يقل أهمية وهو غياب فضاءات حقيقية للحوار بين الفاعلين الجمعويين. كم من مرة اجتمعت الجمعيات لا لتتنافس على من يقدم نفسه أفضل بل لتفكر جماعيا في قضايا الطفولة والشباب؟ كم من لقاء كان هدفه بناء رؤية مشتركة بدل عرض الإنجازات الفردية؟ الحوار ليس ترفا بل هو المدخل الطبيعي لبناء الثقة التي هي أساس كل شراكة ناجحة.ومن زاوية أخرى، يمكن القول إن بعض الجمعيات تخاف من التقييم لأنه يكشف مكامن الضعف قبل نقاط القوة لذلك تفضل العمل في عزلة حيث لا أحد يسائلها ولا يقارن أداءها بغيرها لكن هذه العزلة وإن منحت شعورا مؤقتا بالأمان فإنها على المدى البعيد تقتل روح التطور فالجمعية التي لا تقَيم، لا تتعلم والتي لا تتعلم لا تتقدم.إن الانفتاح على المحيط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي نتحدث عنه ليس مجرد شعار بل هو مسار يحتاج إلى أدوات وآليات. يحتاج إلى بناء علاقات مبنية على الوضوح والاحترام المتبادل، إلى فهم أدوار الفاعلين المختلفين، وإلى القدرة على التفاوض والترافع. كما يحتاج إلى عقلية جديدة ترى في الاختلاف غنى لا تهديداً، وفي التنوع قوة لا ضعفاً.ولعل من أهم ما يجب استحضاره في هذا السياق هو أن الأطفال والشباب الذين نجعلهم محور عملنا لا يحتاجون إلى جمعيات متفرقة بقدر ما يحتاجون إلى منظومة متكاملة تواكبهم في مختلف جوانب حياتهم. الطفل لا يعيش في قطاع واحد بل في أسرة ومدرسة وحي وفضاء اجتماعي متداخل فكيف يمكن لجمعية واحدة مهما كانت قوية أن تستجيب لكل هذه الحاجيات دون التعاون مع غيرها؟

إن اللحظة الراهنة تفرض علينا نوعا من اليقظة الجماعية، لم يعد مقبولا أن نستمر في نفس الدوائر المغلقة ولا أن نكرر نفس الأخطاء، نحن أمام تحديات كبرى تمس القيم والتربية والهوية والاندماج الاجتماعي وهذه التحديات لا يمكن مواجهتها إلا بتظافر الجهود. فإما أن نرتقي إلى مستوى هذه المسؤولية أو نترك فراغا قد تملؤه قوى أخرى لا تشاركنا نفس الرؤية ولا نفس الأهداف.قد يبدو الطريق نحو التعاون الحقيقي طويلا لكنه يبدأ بخطوات بسيطة: مبادرات صغيرة للتنسيق، لقاءات مفتوحة للحوار، مشاريع مشتركة ولو في نطاق محدود، تبادل الخبرات والتجارب والاعتراف المتبادل بالجهود. هذه الخطوات وإن بدت متواضعة يمكن أن تبني مع الوقت ثقافة جديدة قوامها العمل المشترك.و يبقى السؤال الأخلاقي هو الأهم: لماذا نشتغل في العمل الجمعوي أصلا؟ إذا كان الجواب هو خدمة الإنسان وخاصة الطفل والشاب فإن كل ما يعيق هذه الخدمة يجب أن يراجع أما إذا كان الهدف شيئا آخر فربما علينا أن نكون صرحاء مع أنفسنا قبل أن نطالب الآخرين بالتعاون. التعاون ليس قرارا إداريا يتخذ بل هو وعي يبنى وثقافة تمارس وقيم تترجم إلى سلوك يومي، وحين يصل الفاعل الجمعوي إلى هذا المستوى من النضج لن يسأل لماذا نتعاون بل سيعتبر التعاون أمرا بديهيا مثل التنفس في جسد حي لا يمكنه أن يعيش إلا بتكامل أعضائه.يبدو أن السؤال لم يعد لماذا لا نتعاون؟ بل إلى متى سنؤجل هذا التعاون ونحن نرى حاجته الملحّة كل يوم؟ إن العمل الجمعوي في جوهره ليس مساحة لإثبات الذات بقدر ما هو مجال لبناء المعنى المشترك وخدمة الإنسان في أضعف حالاته وأكثرها حاجة إلى من يمد له اليد.لقد آن الأوان أن نتحرر من ضيق الأفق التنظيمي إلى رحابة الفعل الجماعي وأن ننتقل من منطق “أنا الجمعية” إلى منطق “نحن الفاعلون من أجل المجتمع”. فحين نؤمن أن نجاح الآخر لا ينتقص منا بل يضيف إلينا وحين ندرك أن قوة المبادرة تكمن في تكاملها لا في انعزالها سنكون قد خطونا أول خطوة نحو التغيير الحقيقي.إن الأطفال والشباب الذين نرفع شعارات العمل من أجلهم لا ينتظرون منا خطابات ولا صورا بل ينتظرون أثرا صادقا يلامس حياتهم ويمنحهم أملا في غد أفضل. وهذا الأثر لن يتحقق إلا إذا اجتمعت الإرادات وتوحدت الجهود وتكاملت الأدوار،فليكن التعاون خيارنا الواعي لا اضطرارنا المؤجل ولنجعل من اختلافاتنا جسوراً لا جدرانًا ومن تنوعنا قوة لا سببا للفرقة عندها فقط يمكن أن نقول إن العمل الجمعوي يسير في الاتجاه الصحيح وإننا نؤدي رسالتنا بصدق ومسؤولية كما يليق بمجتمع يطمح إلى التنمية والكرامة والعدالة.لا يمكن لأي عمل جمعوي أن ينهض في عزلة ولا لأي مبادرة أن تثمر خارج روح الجماعة. إن الطريق إلى التنمية الحقيقية يمر عبر وعي جماعي جديد يؤمن بأن اليد الواحدة لا تصفق وأن الفعل المشترك هو السبيل الوحيد لصناعة أثر مستدام، فلنراجع ذواتنا بصدق ولنعيد ترتيب أولوياتنا ولنجعل من التعاون قاعدة لا استثناء ومن خدمة الإنسان غاية لا وسيلة حينها سيتحول العمل الجمعوي من جهود متفرقة إلى قوة مجتمعية قادرة على التغيير وسيجد الطفل والشاب فينا السند الحقيقي لا مجرد عنوان يرفع في المناسبات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى