تجديد التكوينِ التربويّ أفق الإصلاحِ الإنساني

حكيم السعودي
لم يعد التكوين مجرد نقلٍ للمعارف أو تكديسٍ للمهارات بل صار فعلا استراتيجيا يعيد صياغة أدوار الفاعلين التربويين ويؤسس لثقافة مهنية جديدة قوامها الكفاية والابتكار والمسؤولية. من هنا يبرز سؤال تحيين مضامين التكوين باعتباره ضرورة لا ترفا لأن أطر التأطير اليوم تواجه واقعا مركبا: أطفال وشباب أكثر وعيا، فضاءات تربوية أكثر تعقيدا، وانتظارات مجتمعية أعلى من أي وقت مضى.إن اقتراح هندسة تكوينية جديدة تستجيب لمتطلبات التأطير الحديث يعني الانتقال من منطق البرامج الجاهزة إلى منطق البناء المرن القائم على المقاربة بالكفايات حيث يصبح المتكون فاعلا في تعلمه، قادرا على تحويل المعارف إلى ممارسات وعلى قراءة الوضعيات التربوية قراءة نقدية تسمح له بالتدخل الواعي والمسؤول. فالكفاية هنا ليست مجرد مهارة تقنية بل هي قدرة مركبة تجمع بين المعرفة والوجدان والسلوك، وتختبر في الميدان لا في قاعات الدرس فقط.ويكتسب تعزيز مهارات القيادة والتواصل أهمية خاصة في سياق العمل التربوي لأن المنشط أو المؤطر لم يعد مجرد منفذ للأنشطة بل قائد دينامية جماعية، يصنع المعنى داخل الفريق ويؤطر الاختلاف ويحفز المبادرة. القيادة التربوية ليست سلطة فوقية بل قدرة على الإصغاء والتيسير وبناء الثقة أما التواصل فهو الجسر الذي تعبر عبره القيم وتبنى به العلاقات ويدار من خلاله التعلم المشترك.
يصبح تدبير النزاع في إطار ديمقراطي كفاية محورية لأن الفضاءات التربوية هي مختبرات حقيقية للتعايش. إن تحويل النزاع من مصدر توتر إلى فرصة للتعلم يقتضي تكوينا يمكن المؤطر من أدوات الوساطة والحوار ومن فهم ديناميات الجماعة ومن ترسيخ ثقافة الإنصاف والاحترام المتبادل.ولا يمكن الحديث عن تأطير حديث دون إدماج السلامة والأمن ككفاية أساسية، ليس فقط من زاوية الإجراءات الوقائية بل باعتبارهما ثقافة يومية تحكم السلوك والتخطيط واتخاذ القرار. فحماية الطفل وضمان سلامته الجسدية والنفسية والتدبير الرشيد للمخاطر كلها عناصر تؤسس لمصداقية العمل التربوي وتعزز ثقة الأسر والمجتمع.أما استثمار الوسائل الرقمية في التكوين فهو مدخل لإعادة تصور التعلم نفسه حيث تتيح المنصات الرقمية إمكانات واسعة للتعلم التفاعلي وللتتبع والتقويم ولتبادل الخبرات بين الأطر كما تفتح آفاقا لإنتاج موارد تربوية مبتكرة تتجاوز حدود المكان والزمان غير أن الرقمنة هنا ينبغي أن تُوظف بوعي نقدي بحيث تخدم المقاصد التربوية ولا تتحول إلى غاية في ذاتها.كل ذلك يحتاج إلى خلفية فكرية واضحة تستلهم روح التربية الشعبية باعتبارها خيارا مجتمعيا يضع الطفل في مركز الفعل التربوي ويجعل من الفضاء التربوي مجالا لبناء المواطنة الحية حيث يتعلم الطفل المشاركة وتحمل المسؤولية واختبار الديمقراطية في تفاصيل الحياة اليومية.
إن تكوين وتأهيل الأطر مدعوما بإطار تقني واضح للوحدات التكوينية يشكل مدخلا لتوحيد الرؤية وضبط معايير الجودة عبر تحديد الكفايات المستهدفة بدقة وصياغة مخرجات تعلم قابلة للقياس واعتماد شبكات ملاحظة ومؤشرات لقياس الأثر بما يحول خطاب القيم من شعارات عامة إلى هندسة تربوية قابلة للتقويم والتطوير المستمر.ويبقى للبحث التربوي دور حاسم في هذا المسار لأنه يوفر المعطيات والتحليلات التي تسمح بتصحيح المسار ويخلق جسرا حيا بين الممارسة الميدانية والتأصيل النظري حتى تظل التجربة التربوية فضاء للتعلم الجماعي لا مجرد تكرار للروتين.إن تحيين مضامين التكوين هو في جوهره رهان على الإنسان، على مؤطر قادر على التعلم الدائم وعلى طفل يمنح فرصة النمو في بيئة آمنة ومحفزة وعلى مجتمع يؤمن بأن الاستثمار في التربية هو الطريق الأضمن لبناء المستقبل. هكذا فقط يصبح التكوين مسارا متجددا لصناعة الأثر وترسيخ الأمل.




