العقلانية والتدبير الاستراتيجي لمؤسسات الشباب: تجربة عبد الرحمان إجباري في إحياء دور الشباب وبناء الفعل الجمعوي الفعّال

حكيم السعودي
منذ تولّي عبد الرحمان إجباري رئاسة قسم مؤسسات الشباب بوزارة الشباب والثقافة والتواصل قادما إليها من قسم التخييم شهدت منظومة التنشيط بدور الشباب تحوّلا نوعيا لافتا لم يكن وليد الصدفة ولا نتيجة قرارات معزولة بل ثمرة رؤية استراتيجية واضحة المعالم تقوم على التخطيط العقلاني والاشتغال المرحلي وربط المسؤولية بالمحاسبة. فقد تعامل مع مؤسسات الشباب لا باعتبارها بنايات جامدة أو فضاءات موسمية للأنشطة بل ككائنات حية تحتاج إلى نفس جديد وإلى انتظام في الإيقاع وإلى منطق اشتغال يعيد إليها دورها التربوي والثقافي والاجتماعي.لقد آمن عبد الرحمان إجباري في انسجام مع ما ذهب إليه ماكس فيبر في حديثه عن «العقلنة» باعتبارها شرطا لتنظيم الفعل الاجتماعي بأن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يتم دون نظام واضح وقواعد مضبوطة وآليات متابعة وتقييم. ومن هذا المنطلق جاءت فكرة إحداث بوابة إلكترونية خاصة بمؤسسات الشباب كخطوة مفصلية في إعادة تنظيم العلاقة بين الإدارة والجمعيات والأندية، فهذه البوابة لم تكن مجرد أداة تقنية بل تجسيدا لفلسفة جديدة في التدبير قوامها الشفافية وتكافؤ الفرص وربط الدعم والممارسة الفعلية بالالتزام القانوني والبرنامجي.وقد ألزمت هذه المقاربة الجمعيات والأندية بالانخراط السنوي والدوري عبر البوابة وتقديم مشاريع تنشيطية واضحة وملفات قانونية مكتملة وتقارير أدبية ومالية داخل آجال محددة مع الخضوع للتتبع والتنفيذ من طرف المديريات الإقليمية ومديري دور الشباب. وبهذا الانتقال من منطق التساهل إلى منطق الالتزام أعيد الاعتبار لما يسميه ابن خلدون «سنن العمران» حيث لا يستقيم الفعل الجماعي إلا بالنظام ولا تستمر المؤسسات إلا بالضبط والانتظام.
ولم يتوقف هذا النفس الإصلاحي عند حدود التنظيم الإداري بل تجاوزه إلى خلق دينامية تشاركية واسعة من خلال إحداث منتديات جهوية وإقليمية لمؤسسات الشباب شكلت محطات للتشاور وتبادل التجارب والتحضير الجماعي للمنتدى الوطني لمؤسسات الشباب المزمع تنظيمه بمدينة أكادير. وهي خطوة تعكس وعيا عميقا بأهمية ما يسميه يورغن هابرماس «الفعل التواصلي»، حيث لا تصنع السياسات العمومية الفعالة في الغرف المغلقة بل في فضاءات الحوار والنقاش والتفاعل بين مختلف الفاعلين.كما أولى رئيس قسم مؤسسات الشباب رفقة الطاقم الذي يشتغل معه أهمية خاصة لتقوية قدرات الفاعلين الجمعويين إيمانا بأن أي إصلاح مؤسساتي لا يمكن أن ينجح دون الاستثمار في العنصر البشري. فجاءت برامج الإدارة الجمعوية وتكوين وتدريب منسقي الجمعيات والأندية والعمل المباشر على تنظيم دورات تكوينية وتأطيرية بمراكز التخييم لتجسد هذا التوجه وهو ما ينسجم مع مقولة الفيلسوف جون ديوي الذي اعتبر أن «التعلم الحقيقي هو ذاك الذي يفضي إلى الفعل»، وأن المعرفة التي لا تترجم إلى ممارسة تظل ناقصة الأثر.وفي هذا السياق يمكن اعتبار عبد الرحمان إجباري «حصان طروادة» الإيجابي لمؤسسات الشباب لا بمعناه الخادع بل بمعناه الإصلاحي العميق؛ ذلك الفاعل الذي يدخل إلى بنية قائمة فيحدث فيها تغييرا هادئا من الداخل دون صخب أو شعارات معتمدا العقلانية والمنطق والتدرج والتجريب. فهو لم يسعَ إلى القطيعة بل إلى إعادة البناء ولم يراهن على القرارات الفجائية بل على التراكم وهو ما ينسجم مع الحكمة المنسوبة لأرسطو: «الفضيلة ليست فعلا عابرا بل عادة تبنى بالممارسة».
إن ما تشهده اليوم دور الشباب من حركية متجدد، ونفس عميق عاد إليها بعد سنوات من الجمود يؤكد أن الإصلاح حين يكون مؤسسا على رؤية واضحة وإرادة فعلية واحترام للعقل وللواقع معا فإنه قادر على إحداث الفرق. فكما قال كانط: «النظام بدون حرية استبداد والحرية بدون نظام فوضى»، وهو التوازن الدقيق الذي سعت هذه التجربة إلى تحقيقه داخل مؤسسات الشباب.وهكذا يمكن القول إن تجربة عبد الرحمان إجباري على رأس قسم مؤسسات الشباب تمثل نموذجا دالا على كيف يمكن للعقلانية والتخطيط الاستراتيجي حين يقترنان بالإيمان بالفعل الميداني وبقدرات الفاعلين أن يعيدا الاعتبار لمؤسسات عمومية ظلت لسنوات في الهامش وأن يحولاها إلى فضاءات فاعلة في التنشئة وبناء المواطن وصناعة المستقبل.
وإذا كان هذا المسار الإصلاحي قد أعاد الاعتبار لمؤسسات الشباب على مستوى التنظيم والتنشيط فإنه في العمق أسّس لتحول أعمق في الفلسفة التي تحكم علاقة الدولة بالفعل الجمعوي. فالمقاربة التي نهجها عبد الرحمان إجباري لا تقوم على منطق الوصاية أو التحكم بقدر ما تقوم على ما يسميه ميشيل فوكو «حسن تدبير السلطة»، أي الانتقال من السلطة الزجرية إلى السلطة المؤطرة التي تضع القواعد وتترك للفاعلين هامش المبادرة والمسؤولية، فالإدارة هنا لا تلغي دور الجمعيات بل تعيد تنظيمه ولا تصادر حريتها بل تؤطرها ضمن إطار قانوني وبرنامجي واضح يحفظ للمؤسسة هيبتها وللجمعيات مصداقيتها.ومن هذا المنطلق يمكن فهم الإصرار على ربط مزاولة الأنشطة بالتقيد بالمساطر والإجراءات ليس باعتباره تشددًا بيروقراطيًا، بل بوصفه شرطا لضمان العدالة وتكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين. فحين تخضع جميع الجمعيات للقواعد نفسها وتقيم المشاريع بناء على معايير واضحة ينتفي منطق الامتياز غير المبرر ويحل محله منطق الاستحقاق وهو ما ينسجم مع مقولة الفارابي الذي اعتبر أن «العدل هو النظام الذي به تقوم المدينة الفاضلة»، ومع تصور جون رولز للعدالة باعتبارها إنصافا قائما على قواعد متفق عليها سلفا.كما أن هذا التحول لم يكن ممكنا لولا الاشتغال الجماعي داخل القسم حيث لم يُنظر إلى القيادة باعتبارها فعلا فرديا بل كدينامية جماعية يشترك فيها طاقم يؤمن بالرؤية نفسها ويشتغل بروح الفريق وهو ما يجعل التجربة أقرب إلى ما وصفه بيتر دراكر في حديثه عن القيادة الفعالة التي «تحقق النتائج من خلال الناس لا بدلا عنهم». فالرئيس هنا لا يحتكر الفعل بل ينسّقه ولا يفرض الرؤية بل يبنيها بالتراكم والحوار.ومن زاوية أخرى فإن تنظيم المنتديات الجهوية والإقليمية ثم التوجه نحو عقد المنتدى الوطني لمؤسسات الشباب بأكادير يعكس وعيا بأهمية ما يسميه أنطونيو غرامشي «الهيمنة الثقافية الإيجابية»، أي بناء قناعات مشتركة حول دور مؤسسات الشباب، بدل الاكتفاء بفرض توجهات فوقية، فالمنتديات ليست مجرد لقاءات تنظيمية بل فضاءات لإنتاج خطاب جديد حول الشباب قوامه المشاركة والتفكير الجماعي وتقاسم المسؤولية.ولا يمكن إغفال البعد التكويني في هذه التجربة إذ إن التركيز على الإدارة الجمعوية وتكوين منسقي الجمعيات والأندية وتنظيم دورات تدريبية بمراكز التخييم يعكس إيمانا عميقا بأن الاستثمار في الإنسان هو أساس كل إصلاح وهو ما عبر عنه ابن رشد حين قال إن «العلم والعمل متلازمان ولا فضل لأحدهما دون الآخر». فالتكوين هنا لا يختزل في نقل المعارف بل في بناء الكفايات وتطوير المهارات وتعزيز القدرة على التدبير والتخطيط والتواصل. وفي هذا السياق تبرز استعارة «حصان طروادة» مرة أخرى ولكن بمعناها الرمزي الإيجابي إذ يتعلق الأمر بإدخال منطق جديد إلى بنية قديمة نسبيا، منطق يقوم على العقلانية والمنهجية والتجريب دون صدام أو قطيعة. تغيير هادئ لكنه عميق يراكم الأثر بدل أن يستهلكه ويؤسس للاستمرارية بدل الاكتفاء بالإنجازات الظرفية وكما يقول لاوتسي: «الأنهار العميقة تجري في صمت» وهو ما ينطبق على هذا النمط من الإصلاح الذي لا يرفع الشعارات بقدر ما يُحدث التحول.وهكذا فإن هذه التجربة لا يمكن اختزالها في إجراءات إدارية أو برامج ظرفية بل ينبغي قراءتها بوصفها مسارا لإعادة بناء الثقة في مؤسسات الشباب وفي قدرتها على لعب دورها التاريخي في التأطير والتنشئة وبناء الفاعل المواطن. وهي تجربة تؤكد مرة أخرى أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تغيير الواجهات بل من تغيير منطق التفكير ومن الإيمان بأن العقل حين يقترن بالفعل والتخطيط حين يلامس الواقع يصبحان معا قوة قادرة على إعادة الحياة إلى المؤسسات وبعث النفس العميق في أدوارها ورسالتها.
إن التجربة التي يقودها عبد الرحمان إجباري على رأس قسم مؤسسات الشباب بوزارة الشباب والثقافة والتواصل تجسد في عمقها انتقالا واعيا من منطق التدبير الظرفي إلى منطق البناء الاستراتيجي طويل النفس. فهي تجربة تؤكد أن إصلاح مؤسسات الشباب لا يمكن أن يتحقق بالشعارات أو بالقرارات المعزولة بل عبر رؤية عقلانية تؤمن بالتخطيط وتراهن على التنظيم وتمنح للتجريب الميداني مكانته بوصفه أداة للتعلّم والتقويم المستمر.لقد أعادت هذه المقاربة الاعتبار لدور الشباب كفضاءات حية للتأطير والتكوين والمواطنة وربطت الفعل الجمعوي بمنطق المسؤولية والالتزام دون أن تفقده روحه الإبداعية أو بعده الإنساني. ومن خلال التوازن الدقيق بين القواعد الصارمة والانفتاح على المبادرة، بين الضبط الإداري والتحفيز التشاركي تشكل نموذج تدبيري جديد يراهن على الذكاء الجماعي وعلى الاستثمار في العنصر البشري وعلى بناء الثقة بين الإدارة والفاعلين الجمعويين.وهكذا فإن وصف عبد الرحمان إجباري بـ«حصان طروادة» الإيجابي لمؤسسات الشباب ليس توصيفا مجازيا فحسب بل تعبير عن مسار إصلاحي هادئ وعميق أحدث تغييرا من الداخل وأعاد للمؤسسة العمومية نفسَها التربوي والثقافي وهي تجربة تؤكد في نهاية المطاف أن العقلانية حين تقترن بالإرادة وأن التخطيط حين يلتقي بالفعل الميداني يصبحان معا مدخلا حقيقيا لإحياء مؤسسات الشباب وتمكينها من أداء رسالتها في بناء المواطن وصناعة المستقبل بثقة ومسؤولية.




