الرأي

قراءة في المسار المهني للأستاذ حكيم موافق بين فلسفة الإدارة وروح المسؤولية

 

حكيم السعودي

 تتقاطع القوانين بالواقع في فضاء الإدارة العمومية وتتعقد أسئلة التدبير بين النص والممارسة و يبرز أحيانا نموذج للفاعل الإداري الذي يحاول أن يصنع معنى أعمق للمسؤولية، قائم على الانضباط والاتزان واستحضار المصلحة العامة كمرجعية عليا و لا يكتفي بتنفيذ المهام فقط، من بين هذه النماذج يبرز الأستاذ حكيم موافق رئيس قسم المخيمات الذي راكم تجربة مهنية امتدت عبر محطات مختلفة داخل قطاع الشباب متنقلا بين مسؤوليات متعددة من التسيير الإداري إلى التدبير الترابي وصولا إلى موقعه الحالي حيث تتقاطع حساسية القرار مع دقة التوجيه في مجال يرتبط مباشرة بالطفولة والتخييم والتربية غير النظامية.إن ما يلفت في هذا المسار هو طبيعة السلوك المهني الذي طبع هذه التجربة والمتمثل في الانضباط في العمل والحرص على احترام الضوابط والبحث عن التوازن بين متطلبات المرفق العام وإكراهات الواقع ،ليس فقط التنقل بين المواقع، وهي خصال تجعل من التجربة الإدارية هنا أقرب إلى مدرسة في التدرج والهدوء في اتخاذ القرار بعيدا عن الاندفاع أو التوظيف الشخصي للسلطة.لقد ارتبط اسم هذا المسار أيضا بقيم مثل عفة اليد والقناعة وهي قيم ليست شعارات نظرية بقدر ما هي ممارسات يومية داخل فضاء إداري حساس حيث تلتقي الموارد المحدودة مع انتظارات اجتماعية وتربوية واسعة، و يصبح في مثل هذه السياقات معيار النجاح متمثلا في طريقة تدبير الانحاز وفي مدى الحفاظ على الثقة العامة داخل المؤسسة، ومن زاوية أوسع يمكن قراءة هذا النمط من التدبير في ضوء بعض التصورات الفلسفية حول الإدارة والعقل العملي، فالفيلسوف أرسطو مثلا ربط بين الفضيلة والحكمة العملية معتبرا أن التدبير الرشيد يقوم على التوازن بين العقل والواقع وبين المثال والإمكان ، كما أن الفكر الإداري الحديث خاصة في مقاربات الحكامة يؤكد أن جودة المؤسسات تقاس بنوعية الأشخاص الذين يجسدونها في الممارسة اليومية، و يمكن القول إن قيمة أي مسؤول لا تنفصل عن قدرته على تحويل النصوص الإدارية إلى ممارسة عادلة ومنضبطة دون الوقوع في التسيب أو الجمود وهو ما يجعل من العقل الإداري أداة توازن دقيقة بين الصرامة والمرونة بين تطبيق القانون وروح القانون غير أن الإنصاف يقتضي دائما النظر إلى أي تجربة في بعدها الإنساني قبل الرمزي فالمسؤول داخل الإدارة هو فاعل داخل شبكة معقدة من الإكراهات والانتظارات والضغوط و ليس مفهوما مجردا، ومن هنا تأتي أهمية تقدير كل تجربة تحاول أن تحافظ على قدر من الاتزان في زمن تتعدد فيه القراءات وتتشابك فيه المصالح.إن الحديث عن النماذج المهنية داخل قطاع الشباب ليس غايته التمجيد بقدر ما هو محاولة لفهم كيف يمكن للمسار الإداري أن يتحول إلى مدرسة في التعلم المستمر وكيف يمكن للقيم البسيطة مثل الانضباط والصدق في العمل أن تصنع فرقا حقيقيا في تدبير الشأن العام بعيدا عن الضجيج وقريبا من جوهر الخدمة العمومية.

 

يمكن متابعة الصورة من زاوية أعمق ليس فقط كمسار إداري فردي و انما كنموذج في فهم معنى المسؤولية داخل المرفق العمومي حين تتحول الوظيفة من مجرد موقع في الهيكل التنظيمي إلى التزام أخلاقي تجاه الناس قبل النصوص،و يصبح الفعل الإداري الحقيقي في هذا المستوى هو القدرة على الصمت حين يفرض التسرع نفسه والقدرة على الإنصات حين يغلب الضجيج والقدرة على اتخاذ القرار دون الانسياق وراء ضغط اللحظة أو حسابات الانفعال، وهي ممارسات لا تكتسب دفعة واحدة و انما تتشكل عبر تراكم طويل من التجربة والخطأ والمراجعة، ومن هنا يمكن فهم قيمة الاستمرارية في المسار المهني باعتبارها نوعا من التكوين المستمر الذي تصقله المواقف اليومية وتعيد تشكيله التحديات المتجددة وليس تكرارا روتينيا للمهام، فالمسؤول الحقيقي يقاس بقدرته على الحفاظ على توازنه في لحظات الارتباك وعلى استحضار المصلحة العامة في لحظات الضغط كما أن الحديث عن التدبير في قطاع حساس كقطاع الشباب والمخيمات يفرض استحضار البعد التربوي في القرار الإداري لأن أي خطأ في التسيير لا يبقى محصورا في الأرقام أو الإجراءات و انما يمتد أثره إلى الفضاء التربوي الذي يتشكل فيه الأطفال والشباب وإلى جودة التجربة التي يعيشونها داخل هذه البرامج قد يصبح المسؤول الإداري أقرب إلى “حارس معنى” قبل أن يكون منفذا لقرارات أي أنه يحمي روح الخدمة العمومية من الانزلاق نحو الشكلية أو التبسيط أو الاستهلاك الإداري البارد، وهي مهمة دقيقة تتطلب قدرا كبيرا من التوازن بين الصرامة في احترام القانون والمرونة في فهم الواقع.إن قيمة أي تجربة إدارية تكمن في طريقة التعامل مع تلك الصعوبات وفي القدرة على تحويل الإكراهات إلى فرص لتحسين الأداء وتطوير آليات العمل و ليس في خلوها من الصعوبات، ومن هنا تتجلى أهمية النماذج الهادئة في التدبير التي لا تصنع الضجيج لكنها تترك أثرا مستمرا في جودة المرفق العام.و يبقى الحكم على مثل هذه المسارات مرتبطا بما تتركه من أثر في الناس وفي المؤسسات لأن الإدارة قبل كل شيء ثقة تبنى يوميا وتقاس بمدى احترامها للإنسان قبل النظام وللمعنى قبل الإجراء وليست مجرد أسماء ومناصب. وإذا وسعنا زاوية النظر أكثر سنجد أن الحديث عن النماذج الإدارية الهادئة داخل قطاع الشباب

هي حاجة حقيقية في زمن تتسارع فيه القرارات وتتشابه فيه الخطابات وتضيع فيه أحيانا الفوارق بين ما هو تقني وما هو قيمي وليست ترفا كتابيا، فالتدبير العمومي يفقد بعده الإنساني حين يتحول إلى سلسلة إجراءات صماء لكن حين يستحضر البعد الأخلاقي والتربوي يصبح أقرب إلى فعل تربوي ممتد، لا يقتصر على تنظيم المخيمات أو توزيع الموارد و انما يشمل بناء الثقة بين الإدارة والفاعلين وبين المؤسسة والمجتمع.ك، ومن هنا تتضح أهمية الفاعل الذي يجمع بين المعرفة الإدارية والوعي التربوي لأن قطاع الشباب فضاء لصناعة الأجيال وكل قرار فيه ينعكس بشكل مباشر أو غير مباشر على سلوك وتجربة ومستقبل فئة واسعة من المجتمع وليس قطاعا تقنيا صرفا،كما أن استمرارية أي مسؤول داخل هذا المجال لا ينبغي أن تفهم فقط من زاوية الزمن الإداري و انما من زاوية الأثر التراكمي الذي يتركه في طريقة اشتغال المنظومة، فهناك من يغادر المناصب لكن أثره يظل ضعيفا وهناك من يمر بهدوء لكنه يترك بصمة تنظيمية وفكرية واضحة في طريقة فهم العمل وتدبيره، و تصبح الحكامة ممارسة يومية تتجلى في التفاصيل الصغيرة: في كيفية اتخاذ القرار و في طريقة التعامل مع الشركاء و في احترام الزمن الإداري وفي القدرة على التوفيق بين النجاعة والعدالة داخل الفعل العمومي، ولعل ما يميز بعض التجارب الإدارية هو هذا التوازن الدقيق بين القانون كإطار ملزم والإنسان كغاية نهائية وهو توازن لا يتحقق بسهولة لكنه يشكل جوهر أي تدبير ناجح داخل المؤسسات العمومية.وهكذا فإن قراءة أي مسار مهني داخل قطاع الشباب لا ينبغي أن تكتفي بالوصف أو التقييم السطحي و انما يجب أن تنفتح على فهم أعمق لدور الإدارة في بناء المجتمع وعلى إدراك أن كل مسؤول مهما كان موقعه يساهم بطريقة أو بأخرى في تشكيل صورة الدولة في وعي المواطنين.و تبقى القيمة الحقيقية لأي تجربة هي قدرتها على خدمة الإنسان قبل المؤسسة وعلى تحويل الإدارة من مجرد جهاز للتسيير إلى فضاء لإنتاج الثقة والمعنى والاستمرارية.

 

إن الحديث عن المسارات الإدارية داخل قطاع الشباب لا يمكن اختزاله في منطق التوصيف أو التقدير الشخصي و انما هو محاولة لفهم أعمق لطبيعة الفعل العمومي حين يلتقي فيه القانون بالقيم والتدبير بالمسؤولية الأخلاقية. فالنماذج الإدارية التي تشتغل في صمت بعيدا عن الضجيج غالبا ما تكون الأكثر قدرة على تثبيت الاستقرار داخل المؤسسات ليس لأنها تملك الإجابات الجاهزة و لأنها تتعامل مع التعقيد اليومي بروح التوازن والهدوء والالتزام، وهي روح نادرة في زمن تتسارع فيه الإيقاعات وتتعاظم فيه الضغوط.كما أن قيمة أي مسؤول داخل الإدارة العمومية لا تقاس فقط بما يشغله من موقع بل بما يتركه من أثر في طريقة اشتغال المؤسسة وفي جودة علاقتها بالمجتمع، فالمناصب تتغير لكن الأثر الحقيقي يبقى مرتبطا بمدى احترام روح المرفق العام وبالقدرة على تحويل السلطة إلى خدمة والقرار إلى مسؤولية والتسيير إلى قيمة مضافة للناس.إن قطاع الشباب بحكم طبيعته التربوية والاجتماعية يظل مجالا حساسا يتطلب قدرا عاليا من الحكمة في التدبير لأن أثر القرار فيه لا يتوقف عند حدود الإدارة و انما يمتد إلى تشكيل وعي الأجيال وتجاربهم الأولى مع الفعل العمومي والمواطنة و يمكن القول إن النجاح الحقيقي في مثل هذه المسارات لا يقاس فقط بالاستمرارية أو الترقي الإداري و انما بمدى القدرة على بناء الثقة وترسيخ ثقافة العمل الجاد وتقديم نموذج في التدبير يجمع بين الكفاءة والالتزام والقيم، فبهذه العناصر فقط يمكن للإدارة أن تتحول من جهاز تقني إلى فعل إنساني يحمل معنى ويصنع أثرا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى