الرأي

أثر البرامج التخييمية على إدماج الأطفال والشباب في الدينامية المجتمعية

 

حكيم السعودي

لم تعد البرامج التخييمية في التجربة المغربية مجرد أنشطة ترفيهية موسمية موجهة لملء فراغ الأطفال والشباب خلال العطل بل تحولت تدريجيا- في عمقها الوظيفي- إلى فضاءات تنشئة اجتماعية غير نظامية تشتغل على بناء الإنسان وتشكيل وعيه وإعادة إدماجه داخل النسيج المجتمعي. فالمخيم لم يعد مجرد مكان للإقامة المؤقتة بل أصبح تجربة حياتية مكثفة تختزل المجتمع في صورة مصغرة وتعيد إنتاج علاقاته وقيمه وأنماطه داخل فضاء تربوي منظم.إن إدماج الأطفال والشباب في الدينامية المجتمعية لا يتحقق عبر الخطاب التربوي أو البرامج المدرسية وحدها بل يتشكل أساسا عبر التجربة الاجتماعية المباشرة والممارسة اليومية والعيش المشترك والانخراط في أدوار اجتماعية حقيقية. وهنا تتجلى الوظيفة العميقة للبرامج التخييمية باعتبارها مختبرا اجتماعيا حيا لتعلم الانتماء وبناء الهوية واكتساب مهارات العيش داخل الجماعة.

ينتقل الطفل والشاب في المخيم من موقع الفرد المعزول إلى موقع العضو داخل جماعة، يتعلم معنى القاعدة المشتركة والنظام الجماعي والمسؤولية الجماعية وتقاسم الأدوار واحترام الاختلاف. هذه التجربة البسيطة في ظاهرها تشكل في عمقها أساس الاندماج الاجتماعي لأن المجتمع لا يقوم على الأفراد المنعزلين بل على أفراد مندمجين في شبكات وعلاقات وقيم مشتركة.

تنتج البرامج التخييمية الإدماج المجتمعي عبر بناء الشعور بالانتماء. فالطفل الذي يشعر أنه جزء من جماعة وله مكانة داخلها وله دور فيها يتكوّن لديه إحساس بالاعتراف الاجتماعي وهو أساس الاندماج، فالهشاشة الاجتماعية لا تبدأ بالفقر المادي بل تبدأ غالبًا بالإقصاء الرمزي وبالشعور بعدم الانتماء وباللاجدوى الاجتماعية.كما تساهم البرامج التخييمية في بناء الكفايات الاجتماعية التي تمكن الأطفال والشباب من التفاعل الإيجابي مع محيطهم: مهارات التواصل، العمل الجماعي، حل النزاعات، التعبير عن الذات، القيادة، التفاوض، احترام الرأي الآخر. وهذه الكفايات لا تكتسب عبر الدروس النظرية بل عبر الممارسة الجماعية داخل فضاء المخيم.وينتج التخييم الإدماج المجتمعي أيضا عبر بناء الوعي المدني، فالمخيم حين يدار بمنطق تربوي يصبح فضاء لتعلم القيم المواطِنة، احترام القانون، المشاركة، المسؤولية، الخدمة العامة، حماية البيئة، التضامن، التطوع.ك، وحين تتحول هذه القيم إلى ممارسة يومية داخل البرنامج التخييمي فإنها تنتقل طبيعيا إلى سلوك اجتماعي داخل المجتمع المحلي.كما تساهم البرامج التخييمية في إدماج الفئات الهشة اجتماعيا عبر خلق فضاء تكافؤ الفرص حيث تختفي الفوارق الطبقية داخل منطق الجماعة ويعاد تعريف القيمة الاجتماعية للفرد بناء على السلوك والمشاركة لا على الأصل الاجتماعي. وهو ما يمنح الأطفال والشباب من الأوساط الهشة فرصة إعادة بناء صورتهم الذاتية واستعادة الثقة في النفس والشعور بالقدرة على الفعل داخل المجتمع.غير أن هذا الأثر الإدماجي ليس آليا بل مشروط بجودة التصميم التربوي للبرامج التخييمية. فحين تختزل البرامج في الترفيه يتحول المخيم إلى فضاء استهلاك وقت لا فضاء إدماج، وحين يدار بمنطق إداري صرف يفقد قدرته على إنتاج العلاقات.ك، وحين يُفرغ من المعنى يتحول إلى تجربة عابرة لا أثر لها في المسار الاجتماعي للفرد.

إن إدماج الأطفال والشباب في الدينامية المجتمعية يتطلب برامج تخييمية تشتغل بمنطق المشروع لا بمنطق النشاط وبمنطق التمكين لا بمنطق الرعاية وبمنطق المشاركة لا بمنطق التلقي. برامج تجعل الطفل والشاب فاعلا لا مستفيدا ،مشاركا لا متلقيا، صانعا للتجربة لا مجرد موضوع لها.

في السياق المغربي تمتلك البرامج التخييمية إمكانا كبيرا للعب هذا الدور الإدماجي بحكم انتشارها المجالي وارتباطها بالمجتمع المدني وتداخلها مع المدرسة والأسرة وقدرتها على الوصول إلى الفئات الهشة لكنها في المقابل تواجه حدودا مرتبطة بالموسمية وضعف الرؤية الاستراتيجية وهشاشة التكوين واختزال الوظيفة.فحين يعاد تعريف التخييم بوصفه أداة إدماج اجتماعي ومؤسسة تنشئة ومسار بناء إنساني وليس مجرد نشاط موسمي يتحول إلى رافعة حقيقية لإدماج الأطفال والشباب في الدينامية المجتمعية.وحينها لا يعود المخيم فضاء إقامة مؤقتة بل يصبح فضاء عبور اجتماعي ولا يعود برنامجا ترفيهيا بل مشروع إدماج ولا يعود نشاطا موسميا بل مسار تنشئة.وهنا تتجلى الوظيفة العميقة للتخييم، صناعة مواطنين مندمجين لا فقط أطفال مستفيدين، بناء فاعلين اجتماعيين لا فقط مشاركين في الأنشطة، إنتاج دينامية مجتمعية لا فقط برامج موسمية.

تشكل البرامج التخييمية بهذا النعنى أحد أهم أدوات الإدماج المجتمعي للأطفال والشباب داخل المجتمع المحلي حين تبنى على رؤية تربوية-مجتمعية واضحة لا على منطق التنظيم الظرفي.
وحينها فقط يصبح التخييم جزءا من مشروع التنمية المجتمعية لا هامشا فيه. ويصبح أداة بناء مجتمع لا مجرد نشاط ترفيهي ويصبح مسار حياة لا تجربة عابرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى