الرأي

حين تصبح الكتلة مجرد مقاعد … هل انتهى زمن الميثاق؟

 

بقلم : أمين شطيبة

في السياسة، لا يكفي أن تبقى الأسماء لكي يبقى المعنى فقد تحتفظ الأحزاب بعناوينها وبصور قادتها وبأرشيفها الحافل وبخطبها التي تزدحم فيها مفردات التاريخ، بينما يكون شيء أعمق قد غادرها في صمت وهو الفكرة التي من أجلها وُلدت والمعنى الذي منحها ذات يوم شرعية تتجاوز صناديق الاقتراع.

ومن هنا، فإن النقاش حول تقارب أحزاب الكتلة مع حزب الأصالة والمعاصرة لا ينبغي أن يُختزل في حسابات الأغلبية ولا في توزيع الحقائب ولا في لعبة الأرقام التي تبدأ وتنتهي عند عتبة البرلمان، المسألة، في جوهرها أكبر من ذلك لأنها تتعلق بذاكرة سياسية مغربية وبأحزاب لم تكن في لحظة من تاريخها مجرد أدوات انتخابية بل كانت، كل بطريقتها، جزءا من معركة طويلة حول معنى الدولة والمجتمع والديمقراطية.

في سنة 1992، حين ولدت الكتلة الديمقراطية لم يكن المشهد مجرد عملية جمع حسابية لأحزاب تبحث عن أغلبية حيث كان وراء تلك اللحظة تاريخ من التوترات والصراعات والتضحيات وكان وراء الميثاق سؤال سياسي كبير يتعلق بالإصلاح، وبالمؤسسات، وبالديمقراطية، وبالعدالة الاجتماعية وكانت الكتلة قبل أن تكون رقما في البرلمان فكرة سياسية.

وهنا تحديداً تكمن حساسية اللحظة الراهنة فحين تتحول الكتلة من مشروع سياسي إلى مجرد تقاطع انتخابي فإن شيئا ما يتغير حتى لو بقيت الأسماء نفسها وحين تصبح الذاكرة السياسية مجرد رصيد قابل للاستثمار في تشكيل أي أغلبية يصبح من المشروع أن نسأل هل ما زالت هذه الأحزاب تحمل تاريخها إلى الحاضر أم أنها أصبحت تحمل الحاضر فقط إلى حسابات التاريخ؟

لا أحد يطلب من الأحزاب أن تعيش في الماضي فالحزب الذي لا يتغير يتحول إلى أثر من آثار الماضي والسياسة التي لا تعرف المراجعة تتحول إلى عقيدة جامدة ومن الطبيعي أن تتبدل التحالفات وأن تتغير الاصطفافات وأن تعاد قراءة المصالح الوطنية في ضوء التحولات الجديدة، لكن التغيير شيء وفقدان البوصلة شيء آخر.

فالتحالف لا يصبح مشكلة لأنه جديد وإنما يصبح سؤالا سياسيا عندما لا نعود نعرف ماذا يحمل كل طرف إلى الطاولة سوى عدد المقاعد التي يملكها وعندها يتحول الحزب من صاحب مشروع إلى صاحب رصيد ومن حامل لذاكرة سياسية إلى مجرد حامل لأصوات انتخابية وهنا يصبح ميثاق 1992 أكثر من وثيقة في أرشيف حزبي يصبح مرآة.

فماذا بقي من تلك الروح؟ ماذا بقي من ذلك المعنى؟ وما الذي يمكن أن تقوله أحزاب الكتلة اليوم لو عادت إلى نصوصها القديمة، ثم قارنتها بلغة التحالفات الجديدة؟ وهل ما زالت الأولوية للمشروع، أم أصبح المشروع تابعا للتحالف؟ هل ما زالت البرامج هي التي تصنع الاصطفافات أم أن الاصطفافات أصبحت تبحث لاحقا عن البرامج التي تبررها؟

وهل ما زالت الكتلة، بما راكمته من تاريخ قادرة على أن تدخل تحالفا جديدا بشروطها وأسئلتها وهويتها أم أن الأمر ينتهي إلى أن تصبح جزءا من هندسة سياسية أكبر منها؟

إن الفرق كبير بين أن تدخل الأحزاب التاريخية تحالفا وهي تحمل معها وزنها السياسي وبين أن تدخل وهي لا تحمل إلا وزنها العددي، في الحالة الأولى يكون التاريخ قوة تفاوضية حية أما في الثانية يصبح التاريخ مجرد شهادة ميلاد قديمة.

والأخطر من ذلك كله أن تتحول كلمة “الكتلة” من اسم لمشروع سياسي إلى اسم لمجموعة من المقاعد, فالمقاعد تتغير والأغلبيات تتغير والحكومات تتعاقب لكن الذاكرة السياسية لا ينبغي أن تكون رهينة لهذه الدورة القصيرة لأن حزبا بلا ذاكرة يتحول إلى آلة انتخابية وحزبا بلا مشروع يتحول إلى ملحق وتحالفا بلا فكرة لا يبقى منه بعد انفضاض المصلحة إلا صورة جماعية في أرشيف الحكومة.

لهذا لا ينبغي أن يكون السؤال كم مقعدا تستطيع أحزاب الكتلة أن تضيف إلى الأغلبية؟، لأن السؤال الأكثر إزعاجا هو ما الذي تستطيع أن تضيفه الأغلبية إلى مشروع الكتلة وما الذي تستطيع الكتلة أن تضيفه إلى مشروع البلاد؟ ذلك هو الامتحان الحقيقي.

فالاستقلال لا يمكن أن يختزل في عدد نوابه لأن خلفه ذاكرة وطنية عميقة والاتحاد الاشتراكي لا يمكن أن يُقرأ فقط من خلال موقعه الانتخابي لأن وراءه عقودا من المعارضة والنقاش حول الدولة والديمقراطية والتقدم والاشتراكية لا تختصره صناديق الاقتراع لأن وراءه تاريخا فكريا وسياسيا له مكانه في المشهد المغربي، وهذه الذاكرة ليست امتيازا تاريخيا بل مسؤولية سياسية.

ومن هنا، فإن الدخول في تحالف جديد لا ينبغي أن يكون مناسبة لدفن الماضي بل فرصة لاختبار مدى قدرة الماضي على إنتاج معنى جديد، فالوفاء للتاريخ لا يعني تكرار مواقفه وإنما يعني أن تظل هناك صلة بين ما قالته الأحزاب حين كانت في المعارضة وما ستفعله حين تصبح في موقع القرار، وفي السياسة ربما لا توجد خسارة أكثر مرارة من أن يحتفظ الحزب بكل شيء إلا السبب الذي جعله يستحق كل ذلك التاريخ.

قد تتغير التحالفات، وهذا طبيعي وقد تتغير القيادات وهذا جزء من دورة الحياة السياسية وقد تتغير البرامج لأن المجتمع نفسه يتغير لكن عندما يتغير كل شيء يبقى سؤال واحد لا يستطيع الزمن أن يلغيه “لماذا كنا هنا؟”.

وهنا ربما تكمن المفارقة الكبرى حيث أن الكتلة قد لا تنتهي يوم توقع أحزابها تحالفا جديدا وإنما قد تنتهي في اللحظة التي يصبح فيها تاريخها غير قادر على التأثير في حاضرها، وعندها لن يكون موتها سياسيا صاخبا بل سيكون موتا هادئا يشبه إطفاء الضوء في غرفة لا يزال على جدرانها الكثير من الصور.

ولعل السياسة في النهاية لا تختبر الأحزاب في قدرتها على حفظ ما قالته بالأمس بل في قدرتها على إثبات أن ما قالته بالأمس ما زال قادرا على أن يصنع فرقا اليوم فالتاريخ الذي لا يتحول إلى موقف يتحول إلى حكاية والميثاق الذي لا يجد طريقه إلى الحاضر يتحول إلى وثيقة.

والكتلة التي لا تحمل إلى التحالف سوى مقاعدها قد تجد نفسها ذات يوم أمام السؤال الأصعب ماذا بقي منها حين لم يعد التاريخ وحده كافيا لإنقاذ الاسم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى