شناقة الانتخابات وسوق النخاسة.. حين تتحول أصوات المواطنين إلى سلعة

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يطفو إلى السطح واحد من أكثر المظاهر التي تسيء إلى العملية الديمقراطية، ويتعلق الأمر بما يعرف بـ”شناقة الانتخابات”، أو ما يشبه سوق النخاسة الذي يحاول البعض من خلاله تحويل الاستحقاق الانتخابي إلى مجرد سوق للمساومات وبيع الأصوات.
ففي الوقت الذي يفترض أن تكون فيه الحملات الانتخابية مناسبة حقيقية لمناقشة البرامج والتصورات السياسية، والتعرف على مشاريع الأحزاب والمرشحين، ينشغل بعض الوسطاء والممارسين الانتخابيين بمنطق مختلف تماماً، عنوانه الأبرز: “كم أخذت؟ كم صوتاً عندك؟”
هذا المنطق لا يسيء فقط إلى صورة الانتخابات، بل يحرم المواطنين من حقهم الطبيعي في نقاش القضايا التي تهم حياتهم اليومية ومستقبل مناطقهم. فبدل الحديث عن إصلاح منظومة الصحة، وتحسين التعليم، وتوفير فرص الشغل، ومعالجة إشكالات السكن والتسوية العقارية والتنمية المحلية، يتحول النقاش إلى حسابات رقمية ومساومات انتخابية.
إن اختزال المواطن في عدد من الأصوات، والتعامل مع الناخب باعتباره ورقة انتخابية قابلة للبيع والشراء، يفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها الحقيقي. فالانتخابات ليست مزاداً علنياً، ولا مناسبة لتصفية الحسابات أو توزيع الوعود الوهمية، بل هي مسؤولية وطنية واختيار سياسي ينبغي أن يبنى على القناعة والبرنامج والكفاءة.
وفي المقابل، فإن مسؤولية الأحزاب والمرشحين لا تقل أهمية عن مسؤولية الناخبين. إذ يتعين عليهم تقديم برامج واضحة وقابلة للنقاش، والتواصل مع المواطنين بصدق، والابتعاد عن كل الممارسات التي تكرس العزوف السياسي وتفقد الثقة في المؤسسات.
إن المواطن المغربي يستحق حملة انتخابية محترمة، يكون فيها البرنامج في صلب النقاش، وتكون فيها الكفاءة والنزاهة والقدرة على الترافع من أجل القضايا المحلية والوطنية معياراً للاختيار.
أما شناقة الانتخابات، ومنطق “كم أخذت وكم صوتاً تملك”، فلا ينبغي أن يحجب جوهر هذا الاستحقاق الوطني. لأن الديمقراطية لا تقاس بعدد الصفقات، وإنما بمدى احترام إرادة المواطنين وقدرتهم على اختيار من يمثلهم عن وعي وقناعة.
وفي النهاية، تبقى الانتخابات فرصة لبناء الثقة، لا لتكريس سوق النخاسة السياسية.




