الرأي

سبتة… حدود الحلم

عبد الرفيع حمضي

قبل نحو خمسة وعشرين عاما، زارني في مكتبي خبير إيطالي كان ينجز دراسة حول هجرة القاصرين المغاربة اساسا منطقة خريبكة . وخلال النقاش قال لي إن الحكومة الإيطالية مستعدة لمنح ثلاثة آلاف يورو لكل أسرة تنجز مشروعا يبقي طفلها في المغرب.

قلت له يومها: “أعتقد أن هذه المقاربة تحتاج إلى مراجعة. فهجرة القاصرين ، في كثير من الحالات ليس مشروع فردي ، بل مشروع أسرة كاملة. فكثير من الأسر تعبئ مواردها، وتقترض، بل وتبيع أحيانا ما تملك حتى يصل ابنها إلى الضفة الأخرى. وما تقترحه من دعم هو اقل بكثير مما تستثمره الأسرة نفسها في مشروع الهجرة.

« ثم ختمت الحديث بجملة ما زلت مقتنعا بها إلى اليوم: “إذا اختزلنا الهجرة في العامل الاقتصادي وحده، فلن نفهمها.”

عادت إلي هذه المحادثة وأنا أتابع ما وقع في باب سبتة.

قد يثير ما حدث الدهشة بسبب سرعة التدفق، وطريقة العبور، وتنوع الفئات الاجتماعية التي اندفعت نحو الحدود في لحظات قليلة. أما الرغبة في الوصول إلى أوروبا، فلا أعتقد أنها مفاجئة في حد ذاتها. فالمغرب لا تفصله عن الضفة الأوروبية سوى أربعة عشر كيلومترا، ومن الطبيعي أن تتحول تلك المسافة القصيرة إلى مساحة واسعة للأحلام.

يكفي أن نتذكر أن ما بين الأرقام الرسمية وتقديرات الباحثين، يوجد اليوم ما يقارب ثمانية ملايين مغربي ومغربية يقيمون خارج الوطن . أي إن الهجرة لم تعد ظاهرة هامشية، بل أصبحت جزءا من البناء الاجتماعي للمغرب نفسه.

ولهذا، فإنني أذهب أبعد من ذلك. لو فتحت أوروبا أبوابها للهجرة دون قيود، فلن يكون عدد من المغاربة وحدهم من سيختارون الرحيل، بل ستتحرك أغلبية سكان بلدان الجنوب نحو الشمال. وليس لأن الجميع يعيش الفقر أو المجاعة، وإنما لأن أوروبا، أحببنا ذلك أم لم نحب، تقدم في المخيال الجماعي نموذجا معينا للحياة، يجمع بين الرفاه ومستوى الخدمات والحريات والكرامة الاجتماعية وفرص المستقبل. قد تكون هذه الصورة غير دقيقة أو مبالغا فيها، لكنها هي الصورة التي تحرك الأحلام.

ولعل أكبر خطأ نقع فيه اليوم هو أننا ما زلنا نفسر الهجرة بعقلية الأمس. كأن شيئا لم يتغير منذ ستينيات القرن الماضي. والحال أن الهجرة نفسها تغيرت، والمهاجر تغير، والعالم تغير. لم يعد الناس يرحلون فقط لأنهم فقراء، بل لأنهم يقارنون بين أنماط العيش، ويرفعون سقف أحلامهم، ويريدون مستقبلا مختلفا. ومن هنا، لم يعد السؤال الحقيقي: لماذا يهاجر الناس؟ بل لماذا أصبح الخارج، بالنسبة إلى ملايين البشر، هو الأفق الطبيعي الذي يقيسون عليه نجاحهم؟

وفي المغرب، لا يحتاج الشاب إلى دراسة حتى يقتنع بذلك؛ يكفيه أن ينظر حوله.

ولهذا يغيب عن كثير من التحليلات عنصر أساسي. فالقاصر الذي يحاول العبور لا ينظر فقط إلى وضعه الشخصي، بل ينظر إلى ما يراه حوله. يرى ملايين المغاربة المستقرين في الخارج، ويرى مئات الأطباء والمهندسين والكفاءات يغادرون كل سنة، ويرى أسرا تعتبر الدراسة في الخارج أفضل استثمار لأبنائها، وتوصيهم بألا يعودوا قبل الحصول على الإقامة أو الجنسية. ويرى رجال أعمال يتسابقون خارج البلاد من اجل الباسبور الأحمر ، ومرضى لا يعالجون إلا بالخارج وعطلة لا تقضى إلى خارج الحدود .

فأي رسالة يتلقاها هذا الشاب؟

إنه يخلص، ببساطة، إلى أن الخارج أصبح حلم الجميع، وأن الفرق الوحيد بينه وبين الآخرين هو وسيلة الوصول. هم يركبون الطائرة، وهو يبحث عن قارب أو عن ثغرة في الحدود.

المشكلة ليست في أن آلاف الشباب حاولوا الوصول إلى أوروبا عندما فتحت أمامهم نافذة عابرة. المشكلة الحقيقية هي أن فكرة الرحيل أصبحت، في المخيال الجماعي، أكثر إقناعا من فكرة البقاء. وبالتالي فإن الذين حاولوا العبور لن يكونوا آخر الراحلين، مهما اختلفت الطرق والوسائل.

وبين ما يقال وما لا يقال… سيظل حلم الهجرة مشروعا ما دام كثيرون يرون أن الضفة الأخرى تمنحهم ما يبحثون عنه. أما التحدي الحقيقي، فهو أن يصبح الحلم بالمغرب كبيرا بالقدر نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى