الرأي

أتاي الأحد: سوريا زمن العدالة الانتقالية… الامتحان الصعب

 

عبد الرفيع حمضي

حين تنهار الأنظمة الاستبدادية، لا يكون التحدي الحقيقي فقط في إسقاط السلطة القديمة، بل في الطريقة التي يتم بها تدبير ما بعدها. فالتاريخ يعلمنا أن كثيرا من الثورات والتحولات السياسية نجحت في إسقاط الأنظمة، لكنها فشلت في بناء العدالة لأنها سقطت في فخ الانتقام.

ولهذا ظهرت العدالة الانتقالية كواحدة من أكثر المفاهيم تطورا في الفكر الحقوقي المعاصر. فهي ليست مجرد محاكمات أو تصفية حسابات مع الماضي، بل آلية لتدبير الانتقال من زمن الانتهاكات إلى زمن دولة القانون. وقد برزت هذه المقاربة في تجارب متعددة، من أمريكا اللاتينية إلى جنوب إفريقيا، ثم في عدد من دول أوروبا الشرقية بعد سقوط الأنظمة الشيوعية، حيث تم التركيز على كشف الحقيقة وإصلاح المؤسسات أكثر من التركيز على الانتقام.

الفكرة الجوهرية في العدالة الانتقالية بسيطة لكنها عميقة: كيف يمكن لمجتمع عاش التعذيب والقتل والاختفاء القسري أن يحاسب المسؤولين دون أن يعيد إنتاج نفس منطق العنف؟

ولهذا تقوم العدالة الانتقالية على أربع ركائز أساسية: كشف الحقيقة، إنصاف الضحايا، المحاسبة القانونية، ثم إصلاح المؤسسات لضمان عدم التكرار. أي أن الهدف النهائي ليس العقاب في حد ذاته، بل بناء مستقبل مختلف.

وفي هذا الإطار، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات الخارجة من النزاعات أو من الأنظمة السلطوية هو الخلط بين العدالة والانتقام. فالانتقام تحركه العاطفة والغضب والرغبة في الإذلال، بينما تتحرك العدالة بمنطق القانون والكرامة الإنسانية.

من هنا تأتي أهمية ما يجري اليوم في سوريا، حيث بدأت مرحلة جديدة بعد عقود طويلة من القمع والانتهاكات الجسيمة. فالمشاهد التي خرجت من المعتقلات، وشهادات الضحايا والناجين، تؤكد أن البلاد عاشت واحدة من أعنف التجارب الأمنية في المنطقة. كان الاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري جزءا من بنية السلطة نفسها، إلى درجة أن السوريين عاشوا لعقود داخل مناخ من الخوف والارتياب وهيمنة الأجهزة الاستخباراتية على تفاصيل الحياة اليومية.

ولهذا يبدو مطلب المحاسبة اليوم مشروعا وطبيعيا. فلا يمكن لأي مجتمع أن يبني مستقبله فوق النسيان الكامل أو الإفلات من العقاب ،لكن في المقابل، تطرح بعض الصور المتداولة لاعتقال ومحاكمة مسؤولين سابقين أسئلة حقيقية حول طبيعة المرحلة المقبلة. لأن الانتقال من نظام أمني مغلق إلى نظام سياسي جديد ذي حساسية دينية قد يحمل بدوره مخاطر السقوط في منطق « الانتقام والقصاص” أكثر من منطق العدالة.

وهنا تحديدا يظهر الفرق بين الدولة الحديثة والدولة الانفعالية.

فالعدالة الانتقالية ليست ثأرا أخلاقيا، وليست مناسبة للتشفي الجماعي، بل هي تعبير عن قدرة المجتمع على الارتفاع فوق الألم الشخصي نحو بناء عقد جديد يقوم على القانون. ولهذا كانت التجارب الناجحة حريصة دائما على احترام ضمانات المحاكمة العادلة، وعلى حماية كرامة المتهم نفسه، ليس تبرئة له، بل دفاعا عن فكرة العدالة ذاتها.

وبين ما يقال وما لا يقال…

قد يكون أصعب امتحان بعد سقوط الاستبداد، هو أن تنتصر الدولة للقانون في اللحظة التي يكون فيها المجتمع مشبعا بالرغبة في الانتقام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى