الرأي

حين نبكي دور الشباب… هل نرثي المكان أم الإنسان؟

جواد حاضي
شهدت مناظرات الخميس نبرة حنين طاغية، كأننا أمام مجلس عزاء لدور الشباب، حيث اختلط التقييم الموضوعي بالبكاء على “الزمن الجميل”. غير أن هذا الحنين، على وجاهته العاطفية، يخفي مفارقة عميقة: هل المشكلة فعلاً في دور الشباب، أم في التحولات التي مست الإنسان نفسه؟
قديماً، لم تكن دور الشباب سوى فضاءات بسيطة: جدران صامتة وكراسٍ خشبية، لكنها كانت تنبض بالحياة. لم يكن هناك إنترنت ولا هواتف ذكية، ولم تكن الخيارات مفتوحة على مصراعيها. كان الطفل، خصوصاً ابن الأسر البسيطة، يجد في دار الشباب ملاذه الوحيد بعد المدرسة، حيث يتعلم المسرح، ويردد الأناشيد، ويكتشف ذاته داخل جماعة. كان “الوقت الثالث” زمنًا حقيقيًا للتنشئة، زمنًا خارج ضغط الدراسة وسلطة الأسرة، تُبنى فيه الشخصية قبل الشهادات.

اليوم، تغير كل شيء… إلا شيء واحد: حاجتنا إلى التأطير.
دور الشباب أصبحت، في كثير من الحالات، أكثر تجهيزًا وحداثة: قاعات متعددة الوسائط، أنشطة رقمية، موسيقى، شطرنج، وربط بالإنترنت. ومع ذلك، يبدو الإقبال أقل حرارة، والانخراط أقل عمقًا. هنا، لا يمكن أن نختزل الأزمة في البنية التحتية أو في “غياب الجاذبية”، لأن الواقع أكثر تعقيدًا.
التلميذ اليوم لا يعيش نفس الإيقاع الزمني. يومه موزع بين المدرسة، ودروس الدعم الخصوصية، والتعب. لم يعد هناك “وقت ثالث” بالمعنى الذي كان قائمًا. أضف إلى ذلك أن البيت نفسه تحول إلى فضاء بديل، بل منافس شرس، بفضل الشاشات والألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل. لم يعد الخروج إلى دار الشباب ضرورة، بل خيارًا ضمن خيارات كثيرة، وغالبًا ما يكون أقل إغراء.
هنا تكمن المفارقة: في الماضي، كانت قلة الإمكانيات تصنع كثافة التجربة، واليوم، وفرة الوسائل لم تُنتج نفس العمق. لذلك، فإن رثاء دور الشباب بهذا الشكل قد يكون تبسيطًا مخلًا، بل نوعًا من الهروب إلى الماضي بدل مواجهة الحاضر.
المطلوب اليوم ليس البكاء على الأطلال، بل إعادة طرح السؤال الجوهري: كيف نستعيد “الوقت الثالث” في حياة الشباب؟ كيف نجعل من دار الشباب فضاءً تنافسيًا أمام العالم الرقمي، لا من حيث الوسائل فقط، بل من حيث المعنى؟ كيف نعيد الاعتبار لفكرة الانتماء الجماعي، في زمن الفردانية الرقمية؟
دور الشباب لم تمت… لكنها تنتظر أن نفهم أن الأزمة لم تعد أزمة جدران، بل أزمة زمن، وقيم، ونمط عيش. وحين نُدرك ذلك، سنكف عن رثاء الماضي، ونبدأ في صناعة مستقبل يستحق شباب هذا البلد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى