الرأي

المغرب والسنغال: من الروابط الروحية إلى الشراكة الاستراتيجية في زمن التحولات الإفريقية

عبدالهادي فدودي

فاعل سياسي

تُعدّ العلاقات المغربية السنغالية من أقدم وأعمق العلاقات البينية في القارة الإفريقية، وهي علاقات لم تُبنَ فقط على المصالح الظرفية أو التقاطعات السياسية العابرة، بل تشكّلت عبر قرون من التفاعل الديني والإنساني والاقتصادي، ثم تعززت لاحقاً بإرادة سياسية واعية جعلت من هذا التقارب نموذجاً يُستشهد به في التعاون جنوب–جنوب. فمنذ العصور السابقة للاستعمار، شكّل المجالان المغربي والسنغالي جزءاً من فضاء إفريقي–أطلسي واحد، ربطته القوافل التجارية والروابط الروحية، خاصة عبر الزوايا الصوفية التي كان لها دور محوري في نسج علاقات الثقة والاحترام المتبادل بين المجتمعات، وفي مقدمتها الطريقة التيجانية التي جعلت من فاس وتيواون فضاءين روحيين متكاملين.

ومع دخول مرحلة الاستعمار ثم نيل الاستقلال، انتقلت هذه الروابط من بعدها التقليدي إلى مستوى الدولة، حيث كان المغرب من أوائل الدول التي دعمت السنغال سياسياً ودبلوماسياً بعد استقلالها سنة 1960، في سياق إفريقي اتسم آنذاك بتحديات بناء الدولة الوطنية وتحرر القرار السيادي. وقد تميّزت مواقف الرباط ودكار بالتقارب في الرؤى حول قضايا القارة، وبالدفاع المشترك عن مبادئ الاستقرار، واحترام سيادة الدول، ورفض النزعات الانفصالية التي تهدد وحدة الكيانات الوطنية الإفريقية. هذا التقارب لم يكن خطابياً فقط، بل تُرجم إلى تنسيق سياسي متواصل داخل المنظمات الإقليمية والقارية، وإلى دعم متبادل في القضايا المصيرية.

على المستوى الثنائي، شهدت العلاقات المغربية السنغالية تطوراً لافتاً منذ سبعينيات القرن الماضي، خاصة مع تكثيف الزيارات الرسمية رفيعة المستوى، وإحداث آليات مؤسساتية للتعاون، من بينها اللجنة العليا المشتركة التي شكّلت إطاراً منتظماً لتقييم الشراكة وتوسيع مجالاتها. وقد شمل هذا التعاون قطاعات حيوية مثل التكوين الديني، والتعليم، والصحة، والبنية التحتية، والفلاحة، والصيد البحري، والقطاع البنكي، حيث باتت المؤسسات المغربية فاعلاً اقتصادياً ومالياً مهماً في السنغال، مسهمة في تمويل مشاريع تنموية كبرى، وفي نقل الخبرات وبناء القدرات.

كما اكتسب البعد الإنساني والثقافي مكانة خاصة في هذه العلاقة، إذ ظل الطلبة السنغاليون يتوافدون على الجامعات والمعاهد المغربية، خاصة في مجالات العلوم الشرعية والهندسة والطب، ما ساهم في خلق نخب سنغالية لها ارتباط وجداني ومعرفي بالمغرب. وفي المقابل، حظي المواطنون المغاربة في السنغال بمعاملة تفضيلية عكست مستوى الثقة المتبادل، وجعلت من الجالية المغربية جزءاً من النسيج الاقتصادي والاجتماعي السنغالي.

وخلال العقدين الأخيرين، ومع عودة المغرب القوية إلى عمقه الإفريقي، اكتسبت الشراكة مع السنغال بعداً استراتيجياً أوضح، حيث جرى توسيع نطاق الاتفاقيات الثنائية، وتكثيف التنسيق السياسي، والنظر إلى البلدين كقطبين للاستقرار في غرب إفريقيا. وقد حرص قائدا البلدين على ترسيخ هذه الرؤية، من خلال خطاب سياسي هادئ، وبراغماتي، يقوم على منطق الربح المشترك، وعلى قناعة راسخة بأن استقرار السنغال من استقرار المغرب، والعكس صحيح.

ورغم متانة هذا الرصيد التاريخي، فإن العلاقات بين الدول، مهما بلغت قوتها، ليست بمنأى عن سوء الفهم أو التباينات الظرفية التي قد تفرضها تحولات داخلية أو ضغوط إقليمية. غير أن خصوصية العلاقة المغربية السنغالية تكمن في قدرتها الدائمة على امتصاص هذه الهزات، والعودة سريعاً إلى منسوبها الطبيعي، بفضل قنوات الحوار المفتوحة، ورأس المال الرمزي الكبير المتراكم عبر الزمن. من هنا تبرز أهمية اللقاءات الثنائية رفيعة المستوى، ليس فقط كآلية بروتوكولية، بل كفضاء لإعادة تثبيت الأركان، وتحصين الشراكة من محاولات التشويش أو الاستغلال.

إن العلاقات بين الرباط ودكار لم تكن يوماً علاقة ظرفية، بل هي مسار تاريخي طويل، قوامه الثقة والاحترام والمصير المشترك. وهي اليوم، في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها القارة الإفريقية، مدعوة إلى مزيد من اليقظة والحكمة، حتى تظل، كما كانت دائماً، قاطرة للاستقرار والتنمية، ونموذجاً حقيقياً لعلاقات إفريقية تُبنى بالعقل والذاكرة المشتركة، لا بردود الفعل والانفعالات العابرة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى