“الشكارة” واللائحة الانتخابية: كيف يُعاد تشكيل السياسة في الخفاء؟

لم تعد اللوائح الانتخابية في بعض السياقات المحلية تُبنى فقط على أساس البرامج السياسية أو التمثيلية أو الكفاءة التنظيمية، بل باتت، في حالات متعددة، تخضع لمنطق خفي يعيد ترتيب الأولويات خارج الأضواء: منطق المال، أو ما يُتداول شعبياً بعبارة “الشكارة”.
هذا التحول لا يظهر في الخطابات الرسمية للأحزاب، ولا يُعلن عنه في بيانات الترشيح، لكنه يتسلل بهدوء إلى كواليس إعداد اللوائح، حيث تختلط الاعتبارات السياسية بالحسابات المالية، وتصبح القدرة على التمويل أو “التعبئة المادية” عاملاً مؤثراً في تحديد المواقع داخل السباقات الانتخابية.
في هذا السياق، لم تعد التزكية الحزبية في بعض الحالات تعبيراً خالصاً عن ثقة تنظيمية أو اقتناع سياسي، بل تتحول إلى نتيجة توازنات دقيقة، تتداخل فيها الاعتبارات الانتخابية مع إمكانيات الدعم، سواء كان مباشراً أو غير مباشر، ماديًا أو لوجستياً. وهكذا، يُعاد تعريف “الجدارة السياسية” بشكل غير معلن، خارج النصوص التنظيمية.
الأخطر في هذا المسار أن السياسة تفقد تدريجياً وظيفتها التمثيلية، لصالح منطق أقرب إلى السوق. فبدل أن يكون الفاعل السياسي حاملاً لمشروع أو رؤية، يتحول في بعض الحالات إلى “مستثمر انتخابي”، يراهن على موقع داخل اللائحة كما يُراهن على فرصة ربح.
هذا التحول لا ينعكس فقط على طريقة تشكيل اللوائح، بل يمتد إلى طبيعة الأداء السياسي داخل المؤسسات المنتخبة نفسها. إذ يجد الناخب نفسه أمام مشهد تتراجع فيه الفوارق بين البرامج، وتعلو فيه الحسابات الفردية على منطق الالتزام الجماعي، ما يضعف الثقة في الفعل الحزبي ويزيد من الفجوة بين المواطن وممثليه.
كما أن هذا النمط من الممارسات يعيد إنتاج دوائر مغلقة من النفوذ، حيث تصبح بعض المواقع السياسية محكومة بمنطق الاستمرارية المرتبط بالقدرة على التمويل لا بالكفاءة أو التجربة أو القرب من هموم المواطنين. وهنا يتعمق الإحساس بأن العملية الانتخابية، في جزء منها، لم تعد فقط تنافساً ديمقراطياً، بل أيضاً ترتيباً لموازين قوة غير مرئية.
ومع مرور الوقت، يتكرس خطاب عام يرى في السياسة مجالاً للصفقات أكثر منه مجالاً للتدبير العمومي، وهو ما يشكل أحد أخطر التحولات في العلاقة بين المواطن والمؤسسات التمثيلية.
ومع ذلك، فإن اختزال المشهد السياسي كله في منطق “الشكارة” يبقى تبسيطاً مُخلاً، لأن داخل الحقل السياسي نفسه توجد أيضاً فاعليات تحاول مقاومة هذا الانحراف، وتشتغل داخل شروط صعبة لإعادة الاعتبار للفعل الحزبي القائم على البرامج والمحاسبة.
بين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع السياسة المحلية استعادة منطقها التمثيلي الحقيقي، أم أن الخفاء المالي سيظل يعيد تشكيلها بصمت، دورة بعد أخرى؟
في النهاية، ليست المشكلة في التنافس الانتخابي بحد ذاته، بل في القواعد غير المكتوبة التي قد تُحوّله من منافسة سياسية إلى سوق مفتوح، تُقاس فيه القيمة بما يُدفع، لا بما يُقترح.




