الرأي

الرياضيات بوصفها شرطا لتكوين العقل الفلسفي من عقل الحس إلى عقل الحقيقة

 

حكيم السعودي

ليس من باب المصادفة ولا من قبيل التعالي المعرفي أن تشترط جمعيتنا، *جمعية شباب المواطنة المغربية*، في أعضائها أن يكونوا من ذوي التكوين الرياضي أو على الأقل ممن خضعوا لتدريب جاد في علم الرياضيات. فهذا الشرط لا ينبع من تفضيل علم على آخر ولا من إقصاء إنساني أو ثقافي بل من قناعة فلسفية عميقة مفادها أن الرياضيات ليست مجرد علم للأعداد بل مدرسة لتشكيل العقل.

*العقل الرياضي: عقل منظم ومتجرد*

العقل الذي تمرّن على الرياضيات هو عقل تعوّد على النظام، على الصرامة، وعلى احترام القواعد الداخلية للفكر. إنه عقل لا يكتفي بالانطباع الحسي، ولا يركن إلى الظن أو العاطفة، بل يسعى إلى البرهان وإلى اليقين النسبي الذي تسمح به البنية العقلية الإنسانية.فالرياضيات تدرّب الذهن على الانتقال من الفوضى إلى النسق ومن التشتت إلى البنية ومن السطح إلى العمق. إنها تعلم الإنسان كيف يفكر لا ماذا يفكر. ومن هنا فهي ليست علم نتائج بقدر ما هي *علم منهج*.

*من عقل الحواس إلى عقل الحقيقة المجرّدة*
إن مشروعنا التكويني هو نقل الإنسان من *عقل الحواس* إلى *عقل الحقيقة*. عقل الحواس يرى الأشياء كما تبدو، بينما عقل الحقيقة يسعى إلى ما هي عليه في ذاتها. والرياضيات، أكثر من أي علم آخر، تحقق هذا الانتقال؛ لأنها تتعامل مع موضوعات لا تُرى ولا تُلمس، ومع ذلك تُفهم وتُبرهَن.عندما نقول إن (2 + 2 = 4)، فنحن لا نتحدث عن قلمين، ولا عن شخصين ولا عن وحدات مادية بعينها. نحن نتحدث عن *علاقة مجردة*مستقلة عن كل سياق حسي. وهذا هو جوهر التجريد: أن تتحرر الفكرة من المادة، وأن يصبح العقل قادرًا على التعامل مع المعنى الخالص.

*الاختلاف الذي ينتهي إلى اتفاق*

من الخصائص الفريدة للرياضيات أنها المجال الوحيد تقريبًا الذي يمكن أن يختلف فيه شخصان اختلافًا جذريا ثم ينتهيا إلى اتفاق كامل دون أن يعرف أحدهما شيئًا عن خلفية الآخر أو نواياه أو هويته.إذا قال أحدهم إن (2 + 2 = 5)، فإننا لا نخاصمه ولا نشكك في أخلاقه ولا نطعن في مقاصده. نقول ببساطة: *هذا خطأ*. ثم نتحاور، ونستدعي القواعد، ونحتكم إلى البرهان، فنصل معًا إلى النتيجة: (2 + 2 = 4).لقد اختلفنا، تحاورنا ثم اتفقنا. وانتهى الخلاف لا بالغلبة، بل **بالحقيقة**.
وهنا تكمن القيمة التربوية العميقة للرياضيات: إنها تعلم الإنسان أن الحقيقة لا تُفرض بالقوة، ولا تُحدَّد بالهوية، بل تُكتشَف بالعقل.

*الرياضيات كنموذج للحوار الفلسفي*

إننا نؤمن بأن الفلسفة في جوهرها ليست إلا امتدادًا لهذا النموذج الرياضي في الحوار. فالفيلسوف الحقيقي لا يبحث عن الانتصار في النقاش، بل عن الصواب. ولا ينطلق من ذاته، بل من المبدأ. ولا يحاكم الأشخاص، بل الأفكار.ولهذا فإن جمعيتنا ليست مجرد إطار شبابي أو ثقافي بل هي *أكاديمية للتكوين الفلسفي والتدريب العقلي* نطمح إلى تكوين أفراد قادرين على التفكير الممنهج، والحوار العقلاني، والاختلاف الراقي، والوصول إلى المشترك الإنساني عبر الحقيقة لا عبر الهوية.

*الرياضيات كأخلاق للعقل*
يمكن القول إن الرياضيات ليست فقط علمًا، بل *أخلاقًا للعقل*. أخلاق تقوم على الصدق، والدقة، والتواضع أمام البرهان، والاستعداد لتصحيح الخطأ. ومن يمتلك هذه الأخلاق، يكون مهيأً للفلسفة، وللمواطنة الواعية، وللمشاركة في بناء مجتمع يحتكم إلى العقل بدل الانفعال، وإلى الحقيقة بدل الوهم.ومن هنا، فإن شرطنا الرياضي ليس شرطًا إقصائيًا، بل هو *بوابة للارتقاء*: ارتقاء بالعقل، وبالإنسان، وبالفكر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى