غير مصنف

ما بعد أخنوش: هل ينجح التجمع الوطني للأحرار في العبور دون زعيمه؟

 

بعد إعلان عزيز أخنوش تنحيه عن رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار واعتزاله العمل السياسي، يجد الحزب نفسه أمام لحظة مفصلية، ليس فقط على مستوى القيادة، بل على مستوى النموذج السياسي والتنظيمي الذي طبع مرحلته خلال السنوات الأخيرة. لحظة تطرح أسئلة عميقة حول مستقبل “الحمامة”: هل كانت الدينامية التي عاشها الحزب مؤسساتية وقابلة للاستمرار، أم أنها كانت مرتبطة بشخص الزعيم؟ وهل سيُفرز هذا الانسحاب “يتامى سياسيين” ووجوهاً ستكتشف فجأة أنها بلا سند ولا أفق؟

 

لا يمكن إنكار أن مرحلة أخنوش مثّلت ذروة غير مسبوقة في تاريخ الحزب، سواء من حيث النتائج الانتخابية أو الحضور السياسي والإعلامي. فقد تحوّل التجمع الوطني للأحرار إلى حزب منظم، منضبط، يعتمد خطاباً تواصلياً حديثاً، ويستثمر بقوة في الاستقطاب والانتشار الميداني. غير أن هذه القوة، التي بدت صلبة من الخارج، تُطرح اليوم حولها علامة استفهام كبرى: هل تأسست على قواعد حزبية راسخة، أم على مركزية القرار وشخصنة القيادة؟

المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الحزب على الانتقال من “حزب الزعيم” إلى “حزب المؤسسة”. فإما أن ينجح في الحفاظ على نفس النفس التنظيمي، عبر قيادة جديدة قادرة على ضمان الاستمرارية، أو يدخل في مرحلة من الفتور السياسي وإعادة التموقع، وهو أمر تعرفه معظم الأحزاب التي فقدت زعامات قوية.

 

من بين أكثر الأسئلة تداولاً داخل الكواليس السياسية: هل سيخلّف تنحي أخنوش “يتامى” داخل الحزب؟ الواقع أن عدداً غير قليل من المنتخبين والفاعلين التحقوا بالتجمع الوطني للأحرار خلال السنوات الأخيرة بدافع البراغماتية السياسية، والبحث عن موقع داخل حزب يقود الحكومة ويمتلك مفاتيح القرار. هؤلاء ربطوا مسارهم السياسي، بل أحياناً المهني، بشخص أخنوش أكثر مما ربطوه بالحزب كإطار نضالي.

مع غياب هذا المعطى، قد يجد البعض نفسه خارج دوائر التأثير، أو عاجزاً عن التأقلم مع توازنات جديدة قد تعيد الاعتبار للشرعية التنظيمية والعمل القاعدي. وهنا قد تظهر ملامح “اليُتم السياسي”، ليس لأن الحزب انتهى، بل لأن شروط البقاء داخله ستتغير.

 

أخطر ما قد تفرزه مرحلة ما بعد أخنوش ليس فقط التراجع الانتخابي المحتمل، بل ما يمكن تسميته بـ“البطالة السياسية والمهنية” لبعض الوجوه التي صعدت بسرعة، دون رصيد نضالي أو كفاءة تدبيرية حقيقية. فحين يغيب الداعم القوي، تسقط الأقنعة، ويصبح معيار الاستمرار هو القدرة على العطاء، لا مجرد القرب من القيادة.

في المقابل، قد تمثل هذه المرحلة فرصة حقيقية لأطر أخرى داخل الحزب، ظلت في الظل، واشتغلت بصمت داخل التنظيمات الجهوية والمحلية، لتأخذ مكانها الطبيعي في صناعة القرار.

اليوم، يقف التجمع الوطني للأحرار عند مفترق طرق واضح: إما أن ينجح في تحويل إرث أخنوش إلى رافعة مؤسساتية تضمن له الاستمرارية، أو يتحول إلى حزب عاش أوجَه مع زعيمه وبدأ العدّ التنازلي بعد رحيله. وحدها المرحلة المقبلة، وطريقة تدبير الانتقال القيادي، ستجيب عن سؤال جوهري: هل كان أخنوش مرحلة في تاريخ الحزب، أم كان الحزب نفسه مرحلة في مسار أخنوش؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى