مهنة المحاماة في غرفة “الإنعاش الإداري”: مشروع القانون بين ترويض وتأميم البدلة السوداء

ذ/ عبد اللطيف أيت بوجبير
محام بهيئة الدار البيضاء
قريبا في الأسواق: “المحامي الحكومي” وفق مواصفات وزارة العدل! فما رشح وتسرب عن تفاصيل مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، المصنف ضمن “السري للغاية”، يكشف عن رغبة في “ترويض” البدلة السوداء، والاستعداد لوداع الهيئة واستقبال المديرية، بما ينم عن نزوع نحو تأميم المحاماة، وهو ما جعل المحامون يتساءلون: هل سنحتاج مستقبلا للبذلة السوداء أم لـ”وزرة” موظف؟.
إن صبغة السرية المطلقة التي طبعت هذا المشروع جعلت المحامين يتساءلون بقلق: هل يحضر لنا مشروع قنبلة أم مجرد “فخ” تشريعي؟ لأنه يبدو أنه خلف الأبواب الموصدة نسج، ولا يزال، كفن المحاماة، وصيغ قانون “تحت الطاولة” في غياب معظم المحامين، وبمباركة بعضهم، في ظل استمرار السيد رئيس الجمعية في صمت لا يعرف إن كان حفظا للأمانة أم استسلاما للإدارة.
نحن أمام تسريبات تبعث على القلق، تُنزل مجالس الهيئات منزلة “نادي الشيوخ” المغلق، وتمنع الشباب من الحلم، وتفرض عليهم الانتظار.
وإذا صحت هذه التسريبات، فلا شك أننا أمام مخطط “إسقاط”، ورغبة في تحويل المحاماة إلى مهنة “تحت الطلب”، وإصلاح غايته الإجابة عن سؤال واحد: “كيف تصبح نقيبا في جلباب موظف؟.”
يبدو، وللأسف بتواطؤ بعض من أبناء المهنة، أن القرار اتخذ لإدخال المحاماة عصر “التدجين” من أوسع أبوابه، فبينما كان المحامون ينتظرون قانونا يحصن استقلاليتهم ويقوي حصانتهم، جاءت التسريبات لتكشف عن “طبخة” تشريعية تعد في غرف مغلقة، بعيدا عن النقاش العمومي، وكأن الأمر يتعلق بسر عسكري لا بقانون ينظم مهنة قانونية حرة مستقلة.
إن هذه السرية المفرطة وهذا الكتمان المريب لا يفسران إلا بسوء نية واضح، فلو كان في المشروع خير للمهنة، لما حجب عن أصحاب البدلة السوداء كما يحجب الهلال.
أما السخرية السوداء التي يتداولها أصحاب البدلة السوداء والقلوب البيضاء، فتتمثل في التحول الجذري من نموذج “الهيئة المستقلة” التي تدير شؤونها بذاتها، إلى نموذج “الملحقة الإدارية” التابعة لوزارة العدل، ذلك أن انتزاع سلطة البت في قبول المحامين الجدد من المجالس المنتخبة وتسليمها للوزارة ليس مجرد تغيير إداري، بل هو “تأميم” كامل للمهنة.
لقد أصبح المحامي، وفق هذا المنطق، مجرد موظف عمومي يحتاج إلى ترخيص من السلطة التنفيذية لممارسة مهنته، الأمر الذي ينسف الركيزة الأساسية للمحاماة باعتبارها حارسة للحريات، فكيف لمن يستمد شرعية وجوده المهني من “تأشيرة الإدارة” أن يواجه تغولها؟ وبالمقابل، يواصل السيد رئيس الجمعية صمته المريب، وعليه أن يتحمل مسؤولية هذا “الخذلان التاريخي”.
أما المحامون الشباب، فيجدون أنفسهم أمام جدار من الفئوية المقيتة والمقززة، إذ يصر المشروع على جعل مناصب المسؤولية حكرا على فئة عمرية محددة، ضاربا بمبدأ الكفاءة عرض الحائط، وكأن الحكمة لا تنزل إلا على من اشتعل رأسه شيبا، بينما يراد للشباب أن يمكثوا في “قاعة الانتظار” إلى ما لا نهاية.
نحن أمام “هندسة” لمستقبل المهنة، يراد من خلاله أن تكون ذات تنظيم إداري صارم، وهياكل منزوعة الصلاحيات الجوهرية، مقيدة في أدواتها النضالية (المقاطعة)، خاضعة لوصاية الوزارة في الولوج، ولوصاية القضاء في ممارسة العمل، وهكذا يعلنون وفاة المحاماة الحرة المستقلة كرسالة، ووضع أسس محاماة بمثابة خدمة تحت “الوصاية الإدارية”.




