
عرفت الزاوية البودشيشية، باعتبارها إحدى أبرز الزوايا الصوفية بالمغرب، مسارًا طويلًا من الإشعاع الروحي والتربوي، قائمًا على الجمع بين السلوك الصوفي والانفتاح على قضايا المجتمع. غير أن المرحلة التي أعقبت رحيل الشيخ حمزة القاديري بودشيش أفرزت نقاشًا متزايدًا داخل الأوساط المتتبعة للشأن الديني، خاصة مع بروز تمايز في الالتفاف حول الشيخين منير القاديري ومعاذ القاديري، وهو ما اعتبره البعض انقسامًا، بينما يراه آخرون اختلافًا طبيعيًا في الأساليب داخل نفس المرجعية الروحية.
يُنظر إلى الشيخ منير القاديري من طرف شريحة واسعة من المريدين باعتباره امتدادًا للنهج التاريخي للزاوية، وحاملًا لمشعل الاستمرارية المؤسسية التي حافظت على توازنها وحضورها داخل الحقل الديني المغربي. ويتميز هذا التوجه بالحرص على وحدة الصف، وضبط الخطاب الصوفي، والانفتاح المحسوب على الفضاءات الرسمية والفكرية، بما يعزز صورة الزاوية كإطار منظم للتربية الروحية، بعيدًا عن أي تأويلات قد تُفهم كخروج عن الإجماع.
في المقابل، يحظى الشيخ معاذ القاديري بتقدير فئة من المريدين الذين يجدون في خطابه بعدًا وجدانيًا أقرب إلى التجربة الصوفية الفردية، حيث يركز على السلوك القلبي والأخلاقي، ويعتمد لغة بسيطة ومباشرة في التواصل. ويُنظر إلى هذا الأسلوب باعتباره أكثر قربًا من المريدين، خاصة فئات شبابية تبحث عن علاقة روحية حميمية، تتأسس على الذوق والتربية الشخصية أكثر من اعتمادها على البعد التنظيمي.
ولا يبدو أن هذا التمايز يعكس، في جوهره، صراعًا على المشروعية أو القيادة، بقدر ما يعبر عن اختلاف في طرق التعبير والتأطير داخل نفس الطريق الصوفي. فالتصوف المغربي عرف تاريخيًا تعدد المشايخ داخل السلسلة الواحدة، دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى انشقاقات حادة، ما دام الجامع المشترك هو المرجعية الروحية ووحدة المقصد.
وتظل الزاوية البودشيشية، في هذا السياق، أمام رهان الحفاظ على وحدتها الرمزية، مع القدرة على استيعاب هذا التعدد في الأساليب والرؤى. فبين نهج مؤسسي يركز على الاستمرارية والاستقرار، وخط وجداني يعلي من شأن القرب الروحي والتربية الفردية، يبقى التحدي الحقيقي هو صون الإرث الصوفي من منطق الاستقطاب، وتحويل الاختلاف إلى عنصر غنى يخدم الطريق ولا يشتته.




