الرأي

لا يحيق المكر السيء إلا بأهله.. من الصحراء.. إلى جمهورية القبائل..

 

بقلم: عبد اللطيف أيت بوجبير

تستمر العلاقات الدولية في تقديم أمثلة معقدة على كيفية انعكاس استراتيجيات الدول على ذاتها بمرور الوقت. فالجزائر، ومنذ أكثر من خمسة عقود، تبنّت سياسة خارجية تركز على التأثير في النزاع الإقليمي المتعلق بالصحراء المغربية.

 

وقد مثّلت هذه السياسة عبر دعمها للجبهة المعروفة باسم “البوليساريو”، محاولة متواصلة لإبقاء القضية حية في المحافل الدولية، مما ينعكس سلباً على استقرار المغرب ومساعيه التنموية.

 

ويُلاحظ هنا أن الدعم الجزائري لم يتوقف عند حدود الدبلوماسية، بل امتد ليشمل الجوانب المادية واللوجستية، مما يدل على عمق الالتزام بهذا الملف، غير أن الفحص الدقيق للأمر يكشف أن هذه الجهود لم تكن مدفوعة فقط بمبادئ معلنة كحق الشعوب في تقرير المصير، بل أيضاً بسياقات جيوسياسية أوسع تتعلق بالصراع الإقليمي على النفوذ، والسعي إلى إبقاء نقاش الصحراء الشرقية المغربية خارج دائرة الاهتمام الدولي.

 

ومع ذلك، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى تحول دراماتيكي في هذه المعادلة. فالإعلان الرسمي من قبل حركة “MAK” وحكومة القبائل في المنفى “أنافاد” عن استقلال “جمهورية القبائل الاتحادية” من العاصمة الفرنسية باريس، يضع الجزائر في مواجهة مع مبدأ تقرير المصير الذي طالما تمسكت به رسمياً في سياقات أخرى.

 

إن اختيار تاريخ الرابع عشر من دجنبر، الذي يتزامن مع ذكرى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1514 الخاص بحق الشعوب المستعمرة في تقرير مصيرها، يضفي على هذا الإعلان بعداً رمزياً قوياً ويربطه مباشرة بالنظام الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي.

 

وهنا تكمن المفارقة التاريخية العميقة، فمنطقة القبائل التي تتمتع بتاريخ طويل من النضال من أجل الحكم الذاتي – بدءاً من استقلاليتها الذاتية قبل الاحتلال الفرنسي سنة 1830، ومروراً بحروبها الشرسة ضد فرنسا منذ 1857 وإدماجها القسري في الكيان الجزائري – تعيد اليوم إحياء هذه المطالب في وجه الدولة الجزائرية المركزية.

 

وقد شهدت المنطقة سلسلة من المواجهات الدموية مع السلطة، أبرزها “الربيع الأمازيغي” عام 1980 عندما منعت السلطات محاضرة للشاعر الأمازيغي “مولود معمري” في جامعة “تيزي ووزو”، مما أدى إلى اقتحام قوات الأمن لحرم الجامعة وسقوط العشرات من الضحايا، و”الربيع الأسود” عام 2001 الذي قُتل فيه أكثر من 100 متظاهر من القبائل كانوا يطالبون بالحقوق الثقافية والسياسية.

 

وتأتي خطوة إعلان “حكومة القبائل المؤقتة” عام 2010 من قبل مهاجرين في فرنسا، ومن ثم إعلان “جمهورية القبائل الاتحادية” الأخير، كتتويج رمزي لهذا المسار النضالي الطويل.

 

هذا الحدث، الذي جرى اليوم في قلب باريس، لا يعكس مجرد تحدي داخلي فحسب، بل يسلط الضوء على كيفية تحول أدوات السياسة الخارجية إلى تحديات داخلية، مما يثير أسئلة جوهرية حول اتساق الموقف السياسي للدول.

 

ويقدم هذا التحول دراسة حالة واضحة حول مفهوم المفارقة وازدواجية المعايير في السياسات الدولية، فالدعم الجزائري الطويل الأمد لمطالب تقرير المصير في الصحراء المغربية يرتد الآن ليظهر في شكل مطالب انفصالية في منطقة القبائل، وهي منطقة تشهد تاريخياً حراكاً هوياتياً وسياسياً متجذراً في تراث من الاستقلالية والمقاومة، هذا التناقض الظاهري يثير تساؤلات عميقة حول المبادئ الانتقائية في الدبلوماسية، وكيف أن السرديات التي تروجها الدول يمكن أن تستخدم ضدها في سياقات مختلفة.

 

إن تعقيدات الهوية العرقية واللغوية في منطقة القبائل، إلى جانب التاريخ الطويل للمواجهات بين سكان المنطقة والسلطة المركزية، والاستجابة الرسمية الجزائرية لهذا الإعلان، ستشكل اختباراً حقيقياً لتماسك الدولة وقدرتها على إدارة التنوع الداخلي في ضوء مواقفها الخارجية المعلنة.

 

إن المشهد الحالي يسلط الضوء على الطبيعة الدائرية والانتقادية للعلاقات الدولية، حيث قد تعود الاستراتيجيات السياسية بنتائج عكسية على منشئيها، ويظهر من خلال هذه الحالة كيف أن التزام دولة ما بمبدأ سياسي في الخارج يمكن أن يخلق سابقة أو توقعاً لتطبيقه محلياً، خاصة في وجود تنوع داخلي وتاريخ من المطالب الهوياتية المتجذرة في أحداث تاريخية كبرى مثل “الربيع الأمازيغي” و”الربيع الأسود”.

 

إن انتهاء النزاع في الصحراء المغربية، مقترناً بالإعلان الجديد حول منطقة القبائل، لا يعيد تشكيل الديناميات الإقليمية فحسب، بل يدعو إلى إعادة تقييم نقدي لمبادئ السيادة، وتقرير المصير، واتساق السياسة الخارجية مع التحديات الداخلية. وهكذا، تتحول الدوائر التي افتتحتها الدبلوماسية إلى مرايا تعكس تناقضاتها الذاتية، مما يؤكده مضمون الآية الكريمة بأن المكر السيء لا يصيب إلا أهله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى