إسبانيا… للتاج توقيت آخر

عبد الرفيع حمضي

إلى صاحب الجلالة الملك فيليبي السادس،
ملك المملكة الإسبانية،
بعد تقديم أسمى عبارات الاحترام والتقدير لمقامكم،
أما بعد، فقد علمت، كما علم غيري من المغاربة، بالزيارة المرتقبة لجلالتكم، رفقة الملكة ليتيثيا، إلى مدينتي سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر، في سياق الأزمة التي أعقبت أحداث عبور مهاجرين يومي 30 و31 يوليوز، وما أثارته من توتر بين المغرب وإسبانيا.
وما يدعو إلى مخاطبة جلالتكم هو ما هو معهود في مقام الملكية من حكمة وتبصر وسعة نظر، وخطورة المعنى الذي تكتسبه زيارتكم في الظروف الراهنة. فقد انتقل النقاش، مع الأسف وبفعل فاعل، من واقعة محددة في الزمن إلى استحضار خلاف تاريخي يمتد لقرون. وحين يأتي الحضور الملكي في هذا السياق، فإنه يمنح هذا الانتقال وزن التاج، ويعمق خلافا لا تعالجه الزيارات الرمزية.
لقد كانت الواقعة، في أصلها، تدفقا لأشخاص، بما يطرحه من مسؤوليات أمنية وإنسانية وأسئلة حول تدبير المناطق الحدودية. ومن حق إسبانيا أن تطلب التوضيح والتعاون، وعلى البلدين أن ينهضا بمسؤولياتهما في معالجة الواقعة وصون كرامة الأشخاص. لكن تحويل سؤال: كيف وقع العبور؟ إلى سؤال: لمن تنتمي سبتة ومليلية؟ هو توظيف سياسي للواقعة، ينقلها إلى خلاف تاريخي لا تحسمه صور المهاجرين، ولا يعالجه استعراض الرموز.
فلإسبانيا موقفها من المدينتين، وللمغرب موقفه وحقه ومطالبته بهما. ولم يكن استمرار التعاون بين البلدين مشروطا بزوال هذا الاختلاف. فقد استطاعا، في مراحل كثيرة، أن يديرا ما يجمعهما رغم ما يفرق بينهما، وأن يتركا للتاريخ والدبلوماسية فسحة أوسع من انفعال اللحظة. أما استدعاء هذا الخلاف في سياق أزمة عبور عابرة، فيجعل العلاقة رهينة للمزايدات، ويبدد ما راكمته الدبلوماسية من ثقة. وتأكيد الموقف الإسباني بحضور ملكي لا يلغي الموقف المغربي؛ إنه يزيد المسافة بينهما.
ولا يخفى عليكم، يا صاحب الجلالة، أن للجغرافيا كلمة لا تسقطها مواسم السياسة. فسبتة ومليلية تقعان على الساحل الإفريقي، داخل المحيط الجغرافي المغربي، ويظل وجودهما تحت الإدارة الإسبانية، في الوعي المغربي، تعبيرا عن استمرار وضع استعماري واحتلال لأرض مغربية. وإذا كان لإسبانيا روايتها التاريخية، فإن التاريخ يصنعه الإنسان، وتتغير أوضاعه وموازينه، بينما يبقى الموقع والجوار.
وبين المغرب وإسبانيا بحر تعبره التجارة والعائلات والثقافات، وتعبره أيضا الأزمات. ولهذا فإن حسن الجوار يقوم على إدراك مشترك بأن كلفة التوتر لا تقف عند الحدود، وأن في استقرار كل بلد مصلحة للبلد الآخر.
ليس غريبا أن تستغل الأحزاب هذه الأزمة لإحراج الحكومة. تلك من أدوات المنافسة السياسية: تضخيم أخطاء الخصم، واستنفار المخاوف، وتحويل الواقعة إلى حجة انتخابية. وقد يجد اليمين في الحدود مادة جاهزة لصناعة البطولة، وفي الجار عنوانا سهلا لتفسير القلق الداخلي. لكن الزيارة، في هذا السياق، تفوت على الملكية فرصة الظهور بما يليق بمقامها من سعة نظر واستقلال عن ضغط اللحظة، وتقربها من موقع الفاعل في سجال داخلي. والنخوة الملكية تتجلى في القدرة على تجاوز ما يستنفر المتنافسين، والاحتفاظ بأفق أوسع من معركتهم.
فما يقال على منبر حزبي ينسب إلى صاحبه، أما ما تحمله الزيارة الملكية فينسب إلى الدولة، ويبقى أثره بعد انصراف المتنافسين.
فالحزب يعيش على موعد الاقتراع، بينما تحمل الملكية مسؤولية الاستمرار. وقد يكون التوتر مكسبا للحزب، لكنه يصبح عبئا على الدولة وعلاقاتها. وفيما ينشغل الحزب بما يكسبه اليوم، يمتد أفق الملكية إلى ما يبقى للبلاد غدا. وهذه المسافة بين الزمنين هي ما يمنح الملكية هيبتها وما يعزز الثقة باستقلال المقام الملكي عن حسابات المنافسة. وحين يقترب التاج من إيقاعها، تصبح هيبته جزءا من رصيد معركة عابرة.
صاحب الجلالة،
في تراث الآداب السلطانية، اقترنت مهابة الملك بالحلم واستقلال القرار. وكان من وجوه حكمته أن يحتفظ بمسافته من انفعال المحيطين به، وأن يدرك ما قد يحجبه تصفيق اللحظة. فقد يعلو التصفيق لخطوة، فيما تبقى كلفتها بعد خفوته.
وقد قدمت الملكة إليزابيث الثانية مثالا على ذلك حين زارت إيرلندا سنة 2011. تحدثت عن تعقيد الماضي، وعن التسامح والمصالحة، وأقرت بأن النظر إلى الوراء يكشف أشياء كان ينبغي أن تقع بطريقة أخرى، وأشياء كان ينبغي ألا تقع أصلا. لقد استعملت مكانتها لفتح أفق في علاقة أثقلتها الذاكرة، ومنحت حضورها معنى يتجاوز الانتصار لرواية طرف على حساب الآخر.
صاحب الجلالة،
إن حضوركم لا يقرأ كما يقرأ موقف زعيم حزبي، ولا ينتهي أثره بانتهاء السجال الذي أحاط به. فالزيارة تأتي بعدما جرى نقل النقاش إلى خلاف تاريخي، وتمنح الموقف الإسباني قوة الرمز الملكي، وتترك لدى الطرف المغربي أثرا يتجاوز أزمة الهجرة التي بدأت منها الواقعة. وهنا تكمن خطورتها: أن تنقضي المزايدة الداخلية، ويبقى ما أضافته الزيارة إلى ذاكرة الخلاف بين البلدين.
والمغرب وإسبانيا سيبقيان جارين بعد انقضاء الموسم الانتخابي، وبعد خفوت الأصوات التي تبحث اليوم عن مكسب في توترهما. وستبقى بينهما مصالح وعلاقات إنسانية ومسؤوليات مشتركة، يتجاوز مداها ما قد يكسبه أي طرف من سجال عابر، ولا تصونها رسائل الغلبة.
وبين ما يقال وما لا يقال، قد ترى بعض الأحزاب في الزيارة انتصارا لروايتها. لكن ما تكسبه في موسم انتخابي قد يدفع الجوار كلفته لسنوات. وللتاج توقيت آخر، تقاس فيه الخطوة بما تتركه في العلاقة بين الشعوب. فالتاريخ يتغير، والجغرافيا تبقى، ولن تمنح الزيارة الخلاف حلا بقدر ما تمنحه ثقلا ملكيا جديدا.
وإن لم تصل هذه الرسالة إلى جلالتكم، لكونها لا تتبع تقاليد المراسلات الملكية، فإن غايتها أن يصل معناها إلى من يهمهم مستقبل العلاقة المغربية الإسبانية.
وتقبلوا، يا صاحب الجلالة، فائق الاحترام والتقدير.




