الرأي

حكومة الأقطاب نحو أداء أنجع

 

بقلم سعيد حسبان

مع كل تشكيل حكومي جديد، كما هو الحال اليوم، يعود سؤال حجم الحكومة إلى الواجهة، ويزداد إلحاحاً كلما اتسعت الهوة بين طموح الأوراش الكبرى وبطء تنفيذها. والمقترح الذي تعرضه هذه الورقة محدد حكومة من سبعة عشر قطباً وزارياً، يُلحق فيها قطب الاقتصاد والمالية مباشرة برئاسة الحكومة، ويقوده وزير منتدب لديها. وهو مقترح يعمل داخل الإطار الدستوري لسنة 2011 ولا يعدله. فالفصل 47 يترك لرئيس الحكومة اقتراح تركيبتها، والفصل 88 يُخضع برنامجها لتنصيب مجلس النواب، والفصل 75 يجعل قانون المالية شأناً برلمانيا، فيما ينعقد التداول في التوجهات الاستراتيجية الكبرى داخل المجلس الوزاري برئاسة الملك، طبقا للفصل 49. والغاية تحسين أداء الأداة التنفيذية داخل الهندسة الدستورية القائمة، دون المساس بها.

أولاً: جدلية منتجة بين التاريخانية والائتمانية

يستدعي المقترح مرجعيتين لا تلتقيان بسهولة، ولا ينبغي التظاهر بأنهما تلتقيان. عبد الله العروي، رائد المدرسة التاريخانية في الفكر العربي المعاصر، يرى الدولة الحديثة عقلا مؤسساتياً، وتقاس مشروعيتها عنده بقدرتها على التنظيم والإنجاز. ولهذا يرتاب في كل خطاب أخلاقي يحل محل المؤسسة، ويعد التحديث قطيعة مع أنماط التدبير التقليدية القائمة على الوساطة والترضية. وفي هذا الأفق يبدو التضخم الحكومي عرضا لعمل حكومي لم يحسم بعد انتقاله من منطق التوازنات إلى منطق النجاعة. أما طه عبد الرحمن، صاحب المدرسة الائتمانية، فيرتاب في العقلانية التقنية حين تنفصل عن القيم. فالمسؤولية عنده أمانة قبل أن تكون وظيفة، والتدبير الذي يُقاس بالأرقام وحدها يفقد معناه. وهو في الآن نفسه ينتقد توظيف الدين في السياسة، فلا يمكن استدعاؤه لتبرير أي بناء سلطوي. والتوتر بين الموقفين حقيقي المدرسة الأولى تخشى أن تصبح الأخلاق ذريعة للتهرب من المؤسسة، والثانية تخشى أن تصبح المؤسسة آلة بلا ضمير. غير أن هذا التوتر نفسه يقترح حلاً عملياً، وهو أن تترجم الأمانة إلى إجراءات قابلة للقياس. فالوزير المؤتمن على قطاع واسع وواضح الحدود يمكن محاسبته فعلا، أمام البرلمان والمجلس الأعلى للحسابات والرأي العام. تمنح التاريخانية الأداة، وتمنح الائتمانية معناها، ولا تكفي إحداهما وحدها.

ثانياً: هيكلة مقترحة من سبعة عشر قطباً

تبنى الأقطاب على ثلاثة معايير. أولها وحدة سلسلة القيمة، فالماء مثلاً لا يُجزأ بين وزارات تتنازع الاختصاص. وثانيها وضوح مؤشر النتيجة، فلكل قطب هدف قابل للقياس وثالثها تقليص كلفة التنسيق، لأن كل حدود بين وزارتين كلفة زمنية ومالية. وليس الرقم سبعة عشر اختياراً مسبقاً، بل حصيلة تطبيق هذه المعايير : سبعة أقطاب للوظائف السيادية والتنسيقية وعشرة أقطاب السلاسل القيمة الكبرى في الاقتصاد والمجتمع والتراب. فكل دمج إضافي يجمع سلاسل لا رابط بينها، وكل تفكيك يعيد كلفة التنسيق.

الأقطاب السيادية والتنسيقية (سبعة)

  1. الاقتصاد والمالية، بقيادة وزير منتدب لدى رئيس الحكومة
  2. الداخلية
  3. الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج
  4. الأوقاف والشؤون الإسلامية 5 العدل
  5. الأمانة العامة للحكومة والعلاقات مع البرلمان
  6. إدارة الدفاع الوطني

الأقطاب القطاعية (عشرة) 8 التربية والتعليم العالي والبحث العلمي الصحة والحماية الاجتماعية 10. الاستثمار والصناعة والتجارة 11. الفلاحة والصيد البحري والمياه والغابات والتنمية القروية 12. التجهيز والماء والنقل واللوجستيك 13. الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة والمعادن 14. إعداد التراب والإسكان والجهوية المتقدمة 15. الشغل والإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى 16. الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة 17. الثقافة والشباب والرياضة والسياحة

ويعيد إلحاق قطب الاقتصاد والمالية برئاسة الحكومة وصل التخطيط بالتمويل، إذ يعمل الوزير المنتدب تحت سلطة رئيس الحكومة مباشرة، فلا تتحول الأولويات المعلنة إلى وعود بلا اعتمادات. ويبقى هذا الإلحاق مقيداً برقابة برلمانية على قانون المالية، ورقابة قضائية مالية على تنفيذه، فلا ينتج سلطة فردية. أما كتابات الدولة، فتعوض بمديريات عامة داخل الأقطاب، يُعين مسؤولوها على أساس الكفاءة ويُقيمون بالنتائج، حتى لا يعود التضخم الحكومي من الباب الخلفي.

ثالثاً: التركيز والجهوية، تناقض ظاهري

قد يعترض بأن تركيز القرار المالي يتعارض مع الجهوية المتقدمة، ومع مبادرة الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية. والجواب في التمييز بين وظيفتين. الوظيفة الأولى هي القيادة الاستراتيجية، وتتركز في المركز تحديد قواعد التوزيع ومعايير الأداء. والوظيفة الثانية هي التنفيذ، وتنقل إلى الجهات عبر عقود برامج بين الحكومة والجهة، وتحويلات مالية وفق صيغ معلنة وصلاحيات فعلية في الصرف. فالمركز يتفرغ لإحكام التوجيه والجهة تتسع لتحسن الإنجاز. وبهذا يصبح الحكم الذاتي امتداداً طبيعياً لمنطق حكومة الأقطاب، لا استثناء منها.

رابعاً: 2030 اختباراً للنجاعة

ليس كأس العالم 2030 حدثاً رياضياً فقط، بل اختبار القدرة الحكومة على إنجاز أوراش كبرى في آجال ثابتة. ولا حاجة هنا إلى ابتكار أدوات جديدة فالقانون التنظيمي لقانون المالية رقم 130.13 أرسى منذ 2015 الميزانية المبنية على البرامج ومؤشرات الأداء والمطلوب تفعيله بصرامة في برنامج مالي موحد بمؤشرات معلنة، مع تقارير دورية أمام البرلمان، وافتحاص للمجلس الأعلى للحسابات قبل نهاية الورش لا بعده. وحين تنتظم القطاعات المعنية بهذا الورش في ثلاثة أقطاب، هي التجهيز والنقل، والداخلية، والثقافة والشباب والرياضة والسياحة، بدل ست أو سبع وزارات، يصبح تحديد المسؤول عن كل تأخير أسهل، وتقل فرص تبديد المال العام بين الاختصاصات المتداخلة.

خامساً: ذاكرة المملكة وأفق الأجيال

لا يُقاس الأداء العمومي بما يُنجز في ولاية حكومية واحدة، بل بما يتراكم عبر الولايات المتعاقبة. والمملكة المغربية بامتدادها التاريخي عبر أكثر من اثني عشر قرناً، تملك ذاكرة مؤسساتية نادرة خبرة متوارثة في قراءة الظرفية، وفي التمييز بين ما يستدعي الحسم وما يحتمل التدرج. وقد تجلت هذه الخبرة في لحظات مفصلية اختار فيها المغرب الإصلاح من داخل الاستمرارية بدل القطيعة، كما في دستور 2011 في سياق إقليمي مضطرب. في منظور المدرسة التاريخانية، التي خص رائدها تاريخ المغرب بجزء كبير من اشتغاله، الاستمرارية شرط التراكم، فالحكومة التي تبدأ من الصفر مع كل ولاية لا تتقدم. وفي منظور المدرسة الائتمانية، الأمانة لا تلقن بل تكتسب بالمعايشة والملازمة. وتلتقي الرؤيتان في أن المؤسسات العليا ليست مواقع قرار فحسب، بل فضاءات تتكون فيها الأجيال التي ستحمل المسؤولية غدا. غير أن نقل الخبرة لا يتحقق إن ظل الشباب خارج دوائر القرار ينتظرون دورهم فالاستمرارية تحتاج إلى من يتسلم، والملازمة تحتاج إلى من يلازم. ولا يعني إدماج الشباب قطيعة مع هذه الذاكرة، بل تجديداً من داخلها، بالإيقاع المتدرج نفسه الذي حفظ للمملكة توازنها. وقد تبدو حكومة الأقطاب عائقاً أمام هذا الانفتاح، لأنها تجمع الحقائب في عدد أقل من المقاعد الوزارية. لكنها في الواقع تنقل ثقل التنفيذ إلى مستويات أوسع دواوين الأقطاب، والمديريات العامة، والوكالات العمومية، والإدارات الجهوية. وفي هذه المستويات بالذات يمكن فتح المجال أمام الكفاءات الشابة، عبر برنامج وطني لإدماجها في مواقع المسؤولية داخل الأقطاب السبعة عشر، بمهام محددة وآجال واضحة وتقييم علني للأداء، لا بمناصب رمزية تمنح للتزيين. وليست هذه الفرصة مئة، بل حاجة للعمل الحكومي نفسه فجيل نشأ في الاقتصاد الرقمي، وعبر بوضوح عن انتظاراته في التعليم والصحة والتشغيل، أقدر من غيره على ترجمة هذه الانتظارات إلى سياسات. يتعلم هذا الجيل من ذاكرة المؤسسات كيف توزن التوازنات، وكيف تقرأ الظرفية، وكيف يلتقي الحزم بالحكمة، ويمنح المؤسسات في المقابل جرأة وسرعة تفتقدهما. وجهاز تنفيذي أوضح وأقل تشعباً يجعل هذا التبادل أيسر، لأن منطق القرار فيه أقرب إلى الفهم وأبعد عن التيه البيروقراطي.

خاتمة

حكومة الأقطاب ليست غاية في ذاتها، بل رهان على أن الوضوح يولد المسؤولية، وأن المسؤولية تولد الثقة. وهي في ذلك تجمع ما افترق بين المدرستين مؤسسة عقلانية تنجز ، وأمانة أخلاقية تسائل، ضمن نظام دستوري توزع فيه الأدوار بين من يوجه ومن ينقذ ومن يراقب.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى