التناوب الآخر ..

عبد الرفيع حمضي
منذ مدة، وقبل أن تقول صناديق الاقتراع كلمتها، يجري تداول سيناريو سياسي يكاد يتحول، من كثرة ترداده، إلى أمر بديهي، بعد تجربة التجمع الوطني للأحرار، قد يأتي دور الأصالة والمعاصرة. مرة يقال ذلك في العلن، ومرة يهمس به في الكواليس، بل إن النقاش تجاوز اسم الحزب الذي قد يتصدر الانتخابات إلى تداول أسماء من قد يرأس الحكومة المقبلة.
في الممارسة الديمقراطية، لا شيء يمنع حزبا من أن يطمح إلى المرتبة الأولى، ولا شيء يضمنها له أيضا. لأن الناخب، في النهاية، هو المفترض أن يقول كلمته. لكن ما يستحق النقاش ليس اسم الحزب المقبل، بقدر ما هو نوع التناوب الذي بدأ يتشكل في المخيال السياسي المغربي.
عرف المغرب سنة 1998 تجربة التناوب التوافقي بقيادة عبد الرحمن اليوسفي. ومهما اختلفت القراءات حول حصيلتها، فقد حملت معنى سياسيا واضحا، هو ان قوى كانت في المعارضة، وتحمل تاريخا ومرجعيات ومطالب سياسية واجتماعية، انتقلت إلى تدبير الشأن الحكومي. كان التناوب انتقالا في الأشخاص، ولكنه كان أيضا انتقالا بين مواقع سياسية لها هوياتها وتاريخها.
أما اليوم، فيبدو أن تناوبا آخر يراد له أن يصبح طبيعيا: الأحرار اليوم، والبام غدا، وربما الأحرار بعد غد.
المشكلة ليست في الحزبين ولا في حقهما في التدبير ، وإنما في السؤال الذي يطرحه تناوب من هذا النوع. فالحزبان، رغم اختلاف مساريهما وخطابهما، ينتميان عمليا إلى فضاء سياسي واجتماعي واحد ، كما أن ظروف نشأتهما تجعل المسافة بينهما متقاربة ومختلفة عن تلك التي كانت تفصل تاريخيا بين أحزاب الأغلبية والمعارضة.
قد تتغير الوجوه، وقد تختلف طرق التدبير والأولويات، لكن هل يكفي ذلك لصناعة دينامية سياسية؟ وهل يصبح تغيير الحزب الذي يقود الحكومة تناوبا حقيقيا إذا لم يصاحبه اختلاف واضح في العرض السياسي والاختيارات الكبرى؟
الديمقراطية لا تحتاج فقط إلى تداول الأحزاب على رئاسة الحكومة، بل إلى تداول الأفكار والمشاريع والاختيارات. وإلا أصبح التناوب مجرد تداول على مواقع التدبير، لا تنافسا بين مشاريع سياسية مختلفة.
هناك من يعتبر أن زمن الشرعيات التاريخية انتهى، وأن المغرب دخل زمن شرعية المنحز. ولهذا الكلام وجاهته. فلا يمكن لحزب أن يعيش إلى الأبد على رصيد الحركة الوطنية أو سنوات المعارضة لأن التاريخ رأسمال و رصيد ، لكنه ليس معاشا دائما.
لكن الانتقال من شرعية التاريخ إلى شرعية المنجز لا يفترض إلغاء الهوية السياسية. لأن المنجز نفسه ليس محايدا، فيمكن أن نختلف حول الأولويات، وحول توزيع الثروة، وحول دور الدولة والسوق، وحول العدالة الاجتماعية والحريات. وحين تضعف هذه الحدود، تصبح الانتخابات منافسة على من يدبر أكثر منها اختيارا بين مشاريع مختلفة.
وهنا يعود السؤال الذي ظل غائبا عن النقاش السياسي لسنوات: ماذا بقي من الكتلة الديمقراطية؟
لكن استدعاء الاسم أسهل من استعادة التجربة. فمنذ بداية التسعينيات تغير المغرب، وتغيرت أحزاب الكتلة نفسها. مارست الحكم والمعارضة، وتبدلت قياداتها وتحالفاتها، وتراجعت قواعد بعضها، كما أن جزءا منها تكيف مع قواعد المشهد السياسي الجديد.
لذلك فالسؤال ليس لماذا لا تعود الكتلة غدا؟ الجواب هو إعادة انبعاث تلك التحالفات السياسية لا يأتي بقرار ولا ببلاغ مشترك، بل ان السؤال الأهم هو، هل بقيت أحزاب الكتلة بنفسها وبعدها الكتلوي؟ و
هل بقي فيها من الحرارة السياسية والفكرية ما يسمح بإعادة بناء ديمقراطي واجتماعي مشترك؟ وهل ما زالت ترى في كينونتها تحمل مقومات عائلة سياسية تجمعها، رغم اختلافتها في المرجعيات وقيم كفيلة ببناء مشروع وعرض للمجتمع؟ أم أن جزءا منها أصبح يعتبر الهوية عبئا موروثا عن الماضي حان الوقت للتخلص منه وتجاوزه. وأن الأهم هو الموقع والتحالف والتواجد داخل المؤسسات؟
وهنا أيضا لا يجوز إعفاء هذه الأحزاب من مسؤوليتها. فالشرعية التاريخية لا تضيع فقط لأن آخرين يريدون تجاوزها؛ فهي تضيع أيضا عندما يعجز أصحابها عن تجديدها وصيانتها. لأن من يريد الدفاع عن تاريخ سياسي عليه أن يمنحه مستقبلا، لا أن يكتفي باستحضاره في المناسبات.
ومع ذلك، فإن الضعف الذي أصاب هذه الأحزاب، لا يلغي الحاجة التي أنتجت الكتلة الديمقراطية. فالحياة السياسية تحتاج إلى أقطاب مختلفة فعلا، وإلى تنافس يجعل المواطن يشعر بأن اختياره يمكن أن يغير ليس فقط من يجلس على كرسي رئاسة الحكومة، بل يجب ان يشمل تغيير بعض التوجهات السياسة أيضا.
وإذا لم تستطع الكتلة الديمقراطية أن تنتعش، في هذه الظروف وتغير السياق، فسؤال الحاجة إلى الكتلة ليس بالضرورة سيموت بل قد يكبر ،وسيعود بإحياء مفهوم أوسع وأشد تعقيدا، جدير بالذكر بهذه المناسبة أن محمد عابد الجابري كان من أبرز من أدخله إلى النقاش السياسي بالمغرب : الكتلة التاريخية.
وذلك حديث آخر.
وبين ما يقال وما لا يقال، فالتناوب بين الأحزاب جميل ،أما الديمقراطية فتحتاج إلى التناوب بين الأفكار.




