الرأي

رسالة مفتوحة إلى باب ثياو: عندما يخسر المدرب شرف القيادة

بقلم: عبد الرفيع حمضي

السيد باب ثياو،
لا أكتب إليك لأواسيك بعد إقالتك، ولا لأعاتبك على خروج المنتخب السنغالي من كأس العالم. فالمدربون يرحلون كل يوم، والنتائج، مهما كانت قاسية، تبقى جزءا من الرياضة. أكتب إليك لأن بعض المدربين يغادرون مناصبهم، لكن أخطاءهم تظل جالسة في المدرجات، تتنقل بين الجماهير، وتعيش أطول من المباريات نفسها.
لن أعود إلى تفاصيل نهائي كأس إفريقيا. لقد قيل فيها ما يكفي. وما يعنيني اليوم ليس القرار التحكيمي، ولا الجدل التقني، بل ما كشفه ذلك المساء عن معنى القيادة.
لعلك لم تنتبه إلى أن المدرب هو الشخص الوحيد الذي تجتمع فيه، في لحظة واحدة، ثلاث سلطات: سلطة المربي على لاعبيه، وسلطة القدوة على الجمهور، وسلطة الرمز حين يقود منتخبا يحمل اسم وطنه وعلمه. لذلك، فإن خطأ المدرب لا يبقى خطأ تقنيا، بل يتحول أحيانا إلى رسالة تتلقفها الملايين. ومن هنا، فإن التدريب ليس مجرد معرفة بالخطط والتبديلات، بل مسؤولية أخلاقية أيضا.
من حقك أن تدافع عن منتخبك، وأن تغضب لما تعتبره ظلما، وأن تحتج على قرار لا تقتنع به. لكن هناك لحظة يصبح فيها الدفاع عن الفريق مساسا بقواعد اللعبة نفسها. والقائد الحقيقي لا يقاس عندما تسير الأمور كما يريد، بل عندما يشعر بأن الجميع ضده، ثم يقرر، رغم ذلك، أن يحمي روح الرياضة قبل أن يحمي النتيجة.
لقد علمتنا الرياضة أن أعظم القادة ليسوا أولئك الذين لم يعترضوا قط، بل أولئك الذين عرفوا كيف يحتجون دون أن يهدموا الثقة في اللعبة. بقي نيلسون مانديلا في الذاكرة لأنه جعل من الكرة المستطيلة أداة للمصالحة. وبقي ديدييه دروغبا رمزا لأنه استثمر كرة القدم لإطفاء نار الانقسام، لا لإشعالها. لقد فهما أن القائد لا يملك فقط حق التأثير، بل يتحمل أيضا عبء ما يترتب على تأثيره.
أما أنت، فقد وجدت نفسك، ربما من حيث تقصد ، في الاتجاه المعاكس. فما بدأ احتجاجا رياضيا انتهى إلى توتر تجاوز الملعب، وامتد إلى الجماهير، ثم إلى الخطاب الإعلامي والسياسي، وترك أثرا في علاقة جمهورين جمعتهما، عبر عقود طويلة، روابط إنسانية وروحية وتاريخية قوية.
كان مؤلما أن يلاحظ كثير من المغاربة والسنغاليين، خلال كأس العالم، ذلك الفتور الذي لم يكن مألوفا في تشجيع كل طرف للآخر. ولم يكن ذلك بسبب مباراة فقط، بل بسبب الأثر النفسي الذي يتركه القائد حين ينسى أن انفعاله لا يخصه وحده، وأن قراره قد يتحول، في لحظة، إلى سلوك جماعي.
لهذا أكتب إليك. لا لأدين شخصك، بل لأذكرك بأن القيادة امتياز ثقيل، وأن من يقف على خط التماس لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل ملايين الأشخاص الذين يرون فيه صورة لبلد بأكمله.
لقد غادرت منصبك، وهذا قرار يخص الاتحاد السنغالي. أما الحكم الأخير، فلن يصدره اتحاد لكرة القدم، ولا لجنة انضباط، بل ستصدره الشعوب. فهي وحدها التي تصنع القادة، وهي وحدها التي تمنحهم مكانهم في الذاكرة والتاريخ. ترفع من يسمو بقيمها، وتخلد من يجعل من الرياضة مدرسة للأخلاق قبل أن تكون طريقا إلى الألقاب. لكنها، في المقابل، لا ترحم أشباه القادة حين يثبتون أن انفعالاتهم كانت أكبر من مسؤولياتهم، وأن مصالحهم الآنية كانت أضيق من الرسالة التي حملوها.
قد ينسى الناس نتيجة مباراة، وقد تغيب تفاصيل نهائي عن الذاكرة، لكنهم لا ينسون أبدا من أساء إلى روح اللعبة.
وبين ما يقال وما لا يقال… قد يخسر المدرب لقبا في موسم، لكن أشباه القادة قد يخسرون مكانهم في ذاكرة الشعوب إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى