سياسة

الفراقشية في قلب العاصفة.. أحزاب المعارضة الأربعة تدفع نحو فتح أخطر ملفات الدعم العمومي

عادت قضية الدعم الحكومي الموجه لاستيراد المواشي إلى واجهة الأحداث السياسية والبرلمانية، بعدما أطلقت مكونات المعارضة بمجلس النواب تحركاً منسقاً لتشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق حول مختلف أشكال الدعم العمومي المخصص لاستيراد المواشي وقطاع تربية الماشية، في خطوة قد تفتح واحداً من أكثر الملفات إثارة للجدل خلال الولاية التشريعية الحالية.

ويقف وراء هذه المبادرة كل من الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، والفريق الحركي، وفريق التقدم والاشتراكية، إلى جانب المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، التي وجهت مراسلات رسمية إلى فرق الأغلبية البرلمانية تطالبها بالتوقيع على طلب تشكيل لجنة لتقصي الحقائق وفق المقتضيات الدستورية والتنظيمية المعمول بها.

وتأتي هذه الخطوة في سياق الجدل المتواصل الذي رافق برامج الدعم الحكومي الموجهة لاستيراد الأغنام والأبقار، والتي رصدت لها اعتمادات مالية مهمة بهدف مواجهة تداعيات الجفاف والحفاظ على استقرار أسعار اللحوم في الأسواق الوطنية. غير أن النتائج المحققة على أرض الواقع ظلت محل تساؤلات وانتقادات واسعة، بعدما استمرت الأسعار في مستويات مرتفعة، ما دفع الرأي العام إلى التساؤل حول الجهات المستفيدة من هذا الدعم ومدى انعكاسه الفعلي على القدرة الشرائية للمواطنين.

وبحسب المعطيات المتداولة داخل المؤسسة التشريعية، فإن المعارضة تمكنت من تحقيق تقدم مهم في مسار تشكيل اللجنة، بعدما أبدت بعض مكونات الأغلبية استعدادها المبدئي لدعم المبادرة. فقد عبر فريق الأصالة والمعاصرة عن موافقته على التوقيع، فيما أبدى الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية تجاوباً أولياً مع الطلب، الأمر الذي يجعل الأنظار متجهة نحو موقف فريق التجمع الوطني للأحرار باعتباره الحلقة الحاسمة في استكمال النصاب السياسي المطلوب.

غير أن تشكيل اللجنة لا يمثل سوى الخطوة الأولى في مسار طويل ومعقد، إذ تبرز منذ الآن معركة أخرى تتعلق برئاسة اللجنة المرتقبة. فالمعارضة تعتبر أن من حقها الإشراف على لجنة كانت صاحبة المبادرة في المطالبة بها، بينما تدرك الأغلبية أن رئاسة اللجنة تمنح صاحبها تأثيراً مباشراً على وتيرة التحقيق وبرنامج الاشتغال والاستدعاءات التي ستوجه إلى مختلف الأطراف المعنية.

ويزداد الملف حساسية بالنظر إلى اقتراب نهاية الولاية التشريعية الحالية، حيث يتساءل متابعون عن مدى قدرة لجنة تقصي الحقائق، في حال تشكيلها، على إنجاز مهامها في الزمن المتبقي قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. كما يطرح السؤال حول ما إذا كانت اللجنة ستتمكن من الوصول إلى معطيات دقيقة بشأن حجم الأموال المرصودة للدعم، وهوية المستفيدين الحقيقيين، ومدى احترام شروط الاستفادة، أم أن ضيق الوقت والحسابات السياسية سيحدان من فعاليتها.

ويعتبر العديد من المراقبين أن هذه المبادرة تشكل اختباراً حقيقياً لقدرة البرلمان على ممارسة أدواره الرقابية في الملفات المرتبطة بتدبير المال العام، خاصة وأن قضية دعم استيراد المواشي تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى موضوع نقاش وطني واسع، ارتبط بما بات يعرف إعلامياً وشعبياً بملف “الفراقشية”، في إشارة إلى كبار المستفيدين من عمليات الاستيراد والدعم العمومي.

وفي انتظار الحسم النهائي في تشكيل اللجنة، يبقى الرهان الأكبر هو مدى قدرتها على كشف الحقيقة كاملة وتقديم أجوبة واضحة للرأي العام حول مصير الأموال العمومية التي ضخت لدعم القطاع، وتحديد المسؤوليات السياسية والإدارية المحتملة. فبين مطالب الشفافية والمحاسبة من جهة، وحسابات التوازنات السياسية والانتخابية من جهة أخرى، يقف ملف دعم المواشي اليوم على أعتاب واحدة من أكثر المحطات الرقابية إثارة في تاريخ الولاية التشريعية الحالية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى