الترافع ينتصر لسيدي بنور.. كيف أُجهض مشروع تقليص الكلية متعددة التخصصات وتحول إلى مكسب جامعي مزدوج؟

لم يكن ملف الكلية متعددة التخصصات بسيدي بنور مجرد نقاش إداري حول إعادة هيكلة مؤسسة جامعية، بل تحول خلال الأشهر الأخيرة إلى معركة حقيقية من أجل الدفاع عن الحق في تعليم عالٍ متنوع ومنصف لأبناء الإقليم. وبينما كان التوجه الأول يسير نحو تحويل الكلية إلى كلية للعلوم التطبيقية، بما يحمله ذلك من مخاوف مرتبطة بتقليص العرض التكويني وإقصاء عدد كبير من الطلبة من متابعة دراستهم داخل الإقليم، انتهى المسار إلى إعلان مشروع أكثر طموحاً يقوم على إحداث مؤسستين جامعيتين مستقلتين هما كلية الاقتصاد والتدبير وكلية العلوم والتقنيات.
بداية التحول تعود إلى دجنبر 2025، حين بادر المنسق الجهوي للحزب المغربي الحر، محمد فكرة، إلى توجيه مراسلة إلى عامل إقليم سيدي بنور محذراً من التداعيات السلبية لمشروع تحويل الكلية متعددة التخصصات إلى كلية للعلوم التطبيقية. واعتبرت المراسلة أن هذا التوجه من شأنه أن يلغي الطبيعة المتعددة للتكوينات التي توفرها المؤسسة، والتي تشمل مجالات القانون والاقتصاد والآداب والعلوم، ويعوضها بعرض أكاديمي محدود يركز على التخصصات التطبيقية فقط.
وكانت أبرز المخاوف المطروحة آنذاك تتمثل في حرمان عدد كبير من الطلبة المنحدرين من الأسر ذات الدخل المحدود من متابعة دراستهم الجامعية داخل الإقليم، وإجبارهم على التنقل نحو مدن أخرى بحثاً عن التخصصات غير المتوفرة محلياً، وهو ما اعتُبر مساساً بمبدأ العدالة المجالية وتكافؤ الفرص بين مختلف أقاليم المملكة.
ومع توالي النقاشات والتدخلات الترافعية خلال الأشهر اللاحقة، شهد الملف تطورات مهمة توجت بمصادقة مجلس الحكومة يوم 11 يونيو 2026 على مجموعة من القرارات المتعلقة بإعادة هيكلة مؤسسات التعليم العالي، وهي الخطوة التي وفرت الإطار القانوني والمؤسساتي لإعادة النظر في المشروع الأولي الخاص بسيدي بنور. وفي خضم هذه الدينامية، برز توجه جديد داخل جامعة شعيب الدكالي يقوم على الحفاظ على التعددية الجامعية بالإقليم وتطويرها بدل تقليصها.
وقبيل القراءة الثانية المرتقبة لمجلس الجامعة يوم 25 يونيو 2026، تأكد التراجع عن المقترح السابق، ليحل محله مشروع أكثر انسجاماً مع تطلعات الساكنة يقوم على إحداث كلية للاقتصاد والتدبير إلى جانب كلية للعلوم والتقنيات. ويشكل هذا التحول نقلة نوعية في مسار التعليم العالي بالإقليم، إذ لا يقتصر على الحفاظ على التخصصات القائمة، بل يفتح آفاقاً جديدة لتوسيع العرض الجامعي وتعزيز جاذبية سيدي بنور كقطب أكاديمي صاعد.
وتبرز هذه القضية بوضوح أن الترافع المؤسساتي والسياسي حين يستند إلى تشخيص واقعي لحاجيات الساكنة يمكن أن يساهم في تصحيح مسار القرارات العمومية وتوجيهها نحو خيارات أكثر إنصافاً وفعالية. كما تؤكد أن التنسيق بين الفاعلين المحليين والسلطات الإقليمية والمؤسسات الجامعية قادر على تحويل المخاوف إلى فرص، والأزمات المحتملة إلى مشاريع تنموية واعدة.
وبين مشروع كان يهدد بتقليص آفاق آلاف الطلبة، ورؤية جديدة تعد بمؤسستين جامعيتين مستقلتين، تبدو سيدي بنور اليوم أمام مكسب أكاديمي وتنموي مهم، يؤكد أن صوت الترافع المحلي قادر، حين يكون منظماً ومبنياً على المصلحة العامة، على إحداث الفارق وصناعة التحول.




