سياسة

حين تتحول المنافسة السياسية إلى بلطجة إلكترونية: من يحمي النقاش الديمقراطي؟

 

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية واحتدام التنافس على المقاعد البرلمانية، يُفترض أن يكون النقاش العمومي منصبًّا على البرامج، الكفاءات، والرؤى السياسية القادرة على إقناع الناخبين. غير أن مشهدًا مقلقًا بدأ يطفو على السطح بشكل متزايد، يتمثل في بروز ما يشبه “الجيوش الإلكترونية” أو الحاشية الرقمية الموالية لبعض المترشحين، والتي تعتمد أساليب بعيدة عن أخلاقيات التنافس الديمقراطي.

فبدل مواجهة الرأي بالرأي والحجة بالحجة، يلجأ بعض المحسوبين على هذه الدوائر إلى أساليب السب والقذف والتشهير، مستهدفين كل من يعلن دعمه لمرشح آخر أو يعبر عن موقف مخالف لخط الولاء المفروض. وهنا لا يتعلق الأمر باختلاف سياسي صحي، بل بمحاولات للترهيب الرقمي وخلق مناخ من التخويف، يجعل البعض يتردد في التعبير عن رأيه خشية حملات التشويه والإهانة.

الأخطر في هذه الظاهرة أن دوافع الولاء لدى بعض هذه الحسابات أو الأشخاص لا تبدو دائمًا سياسية أو مبدئية، بل ترتبط أحيانًا بمنطق المصلحة الضيقة؛ فهناك من يراهن على “دريهمات” مقابل التطبيل والهجوم، ومن ينتظر دعماً جمعوياً أو امتيازاً معيناً، ومن يعلّق آماله على وعد بالشغل أو موقع نفوذ مستقبلي. وهكذا تتحول بعض المنصات الرقمية إلى فضاءات لتصفية الحسابات وخدمة الأجندات الشخصية، بدل أن تكون فضاءات للنقاش الحر والمسؤول.

إن البلطجة الإلكترونية ليست مجرد سلوك عابر أو انفلات فردي، بل خطر حقيقي على جودة الممارسة الديمقراطية. فهي تفسد النقاش العمومي، وتزرع الكراهية، وتُبعد المواطن عن الاهتمام الجاد بالشأن السياسي، كما تساهم في نشر الأخبار الزائفة والاتهامات غير المؤسسة، بما يمس أحيانًا بالحياة الخاصة والكرامة الإنسانية.

السياسة لا تُربح بالصراخ الرقمي، ولا بالإساءات المنظمة، ولا بحملات التشهير. المترشح القوي هو من يترك برنامجه وكفاءته يتحدثان عنه، ومن يقبل بالنقد والاختلاف، لا من يُحاط بأصوات إلكترونية تهاجم الجميع باسم الولاء.

اليوم، أصبح من الضروري فتح نقاش جدي حول محاربة هذا النوع من البلطجة الرقمية، سواء عبر تفعيل القوانين المرتبطة بالتشهير والسب الإلكتروني، أو من خلال ترسيخ أخلاقيات التنافس السياسي والمسؤولية الرقمية. كما أن على الأحزاب والمترشحين أنفسهم تحمل مسؤولياتهم الأخلاقية، عبر رفض أي دعم قائم على الإساءة والتحريض، لأن صمتهم قد يُفهم أحيانًا باعتباره ضوءًا أخضر لاستمرار هذه الممارسات.

فالديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد الأصوات في صناديق الاقتراع، بل أيضًا بمستوى الاحترام الذي يطبع الاختلاف، وبقدرة المجتمع على حماية حق الجميع في التعبير دون تخوين أو تشهير أو ترهيب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى