المحاماة والجامعة.. حين يتحول “التفرغ العلمي” إلى “تهافت مصلحي”!

ذ/ عبد اللطيف أيت بوجبير.
بينما ينتظر الرأي العام من أساتذة القانون في جامعاتنا أن يقودوا قاطرة البحث العلمي، ويجترحوا الحلول لمعضلات العدالة المعقدة، ويجودوا بتكوين جيل جديد من الحقوقيين القادرين على رفع تحديات المستقبل، صُدم الجميع بوقفة احتجاجية في الرباط، لم تكن من أجل إصلاح المنظومة التعليمية، ولا من أجل تجويد المناهج، بل كانت “وقفة تهافت” على “غنيمة” مهنية اسمها المحاماة.
1. الشعارات المضللة: العدالة لا تبنى بـ “أنصاف المتفرغين”:
رفعت في الوقفة لافتة غريبة تقول: “لا عدالة كاملة دون جمع أستاذ القانون بين المحاماة والتدريس”. إنه ادعاء لا يفتقر فقط للمنطق، بل يصادم واقع الحال. فالحقيقة التي يعرفها القاصي والداني هي أنه لا عدالة حقيقية دون تفرغ كامل لرسالة الدفاع، ولا تعليم عالي ذي جودة دون تفرغ كامل للأستاذ في مدرجه ومختبره.
هل يعلم هؤلاء السادة أن حقوق الناس ومصائرهم ليست “خضرة فوق طعام”؟ هل ينتظر المتقاضي أن يُحكم في قضية استعجالية بينما الأستاذ مشغول بإلقاء محاضرة أو تصحيح أوراق الامتحان؟ أم هل ينتظر الطالب الجامعي جودةً في التكوين بينما أستاذه “يهرول” بين ردهات المحاكم بحثا عن أتعاب القضايا؟
2. زمن التخصص.. أم زمن “تعدد الصنايع”؟
في الوقت الذي يتجه فيه العالم نحو التخصص الدقيق (Ultra-specialization)، يطالب “صفوة” المجتمع بالعودة بنا إلى زمن “تعدد المهام” (Multitasking) الهجين. المحاماة ليست “هواية” تمارس في وقت الفراغ، وليست “خضرة فوق طعام” وليست “إكسسوارا” يزين به الأستاذ سيرته الذاتية. إنها مهنة “تحرق” صاحبها بالتفرغ، فكيف يستقيم لمن يدعي الأستاذية أن يجمع بين ضجيج المحاكم وهدوء المكتبات؟
إن جودة الخريجين اليوم أصبحت محل تساؤل كبير، ومستوى البحث العلمي القانوني في تراجع مخيف؛ فبدل أن يسخر هؤلاء الأساتذة مجهودهم للرقي بالجامعة، فضلوا ممارسة “الضغط الزنقاوي” لانتزاع ريع مهني لا حق لهم فيه إلا إذا تخلوا عن “جبة” الوظيفة العمومية.
3. تحريض الوزير وسكوت “الوصي”: تحالف الريع:
المثير للاستغراب ليس فقط تهافت الأساتذة، بل “التحريض” العلني الذي يمارسه وزير العدل، وكأنه يريد إغراق مهنة المحاماة في مستنقع “الزبونية الفئوية” لإضعاف استقلاليتها. وفي المقابل، نجد صمتا مريبا لوزير التعليم العالي، الذي يرى كوادره تخرج للشارع للمطالبة بـ “هجر” كراسيها العلمية والاشتغال في مهن حرة، وكأن الجامعة أصبحت مجرد “محطة استراحة” أو “ضمانة اجتماعية” تمنح صاحبها راتبا قارا بينما هو يلهث خلف الأتعاب.
4. كلمة أخيرة.. استقيلوا لتمارسوا!:
إننا نقولها بكل صراحة: المحاماة بيت له أهله، والجامعة محراب له قدسيته.
إذا كنتم ترون في المحاماة “قيمة مضافة”، فالميدان يتسع للجميع بشرط واحد: الاستقالة من الوظيفة العمومية.
لا يمكنكم الجمع بين “أمان الراتب” و”مخاطرة المهنة”.
لا يمكنكم الجمع بين “سلطة النقطة” في المدرج و”سلطة البدلة” في المحكمة.
إن العدالة والتعليم العالي كلاهما “أمانة ثقيلة”، والأمانات لا تحمل باليد الواحدة. فكفوا عن هذا التهافت الذي يسيء لرمزية “الأستاذ” ويحقر من شأن “المحامي”، فالتاريخ لا يرحم من فرط في جودة تكوين الأجيال مقابل “دريهمات” المنازعات.




