شغب الملاعب وعنف المدارس.. حين تفشل السياسة ويصمت المجتمع
من الفصول الدراسية إلى المدرجات.. انفلات جماعي يكشف غياب التأطير وتفكك الأدوار

جواد حاضي
لم تعد مظاهر العنف في المغرب حالات معزولة أو أحداثا عابرة، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى ظاهرة مقلقة تمتد من أسوار المؤسسات التعليمية إلى مدرجات الملاعب. مشاهد الاعتداء بين التلاميذ، بل ووصولها أحيانا إلى إزهاق الأرواح كما وقع بخميس متوح، تقابلها صور التخريب والفوضى في مباريات كرة القدم، كما حدث في مواجهتي الرجاء والجيش، والوداد واتحاد يعقوب المنصور، حيث تحولت الفرجة الرياضية إلى ساحة مفتوحة للفوضى والعنف.
هذه الوقائع المتكررة تطرح أسئلة عميقة حول أسباب هذا الانفلات، لكنها في الآن ذاته تضع الفاعل السياسي والمدني أمام مسؤولياته التاريخية. فالأحزاب السياسية التي يفترض أن تؤطر الشباب وتفتح أمامهم آفاق المشاركة الإيجابية، تبدو اليوم غائبة أو عاجزة عن لعب هذا الدور، بعدما انشغلت بحسابات انتخابية ضيقة وفقدت قدرتها على التأثير في المجتمع، خاصة في صفوف الناشئة.
أما جمعيات المجتمع المدني، التي شكلت في مراحل سابقة فضاء بديلا للتأطير والتربية على القيم، فقد تراجع حضور عدد كبير منها، أو تحول إلى عمل مناسباتي يفتقد للعمق والاستمرارية، ما ساهم في اتساع دائرة الفراغ القيمي والتربوي. هذا الفراغ ترك الشباب عرضة لتأثيرات سلبية، سواء في الشارع أو عبر الفضاء الرقمي، حيث تنتشر خطابات العنف والتطرف بشكل مقلق.
إن تحميل المسؤولية للأجهزة الأمنية وحدها، رغم تدخلها المتكرر لتطويق هذه الظواهر واعتقال المتورطين، لا يمكن أن يكون حلا كافيا. فالمقاربة الأمنية تظل إجراء آنيا لمعالجة النتائج، في حين أن جذور الأزمة أعمق بكثير، وترتبط بفشل منظومة متكاملة في التربية والتأطير والتوجيه.
العنف في المدارس يعكس اختلالات داخل الأسرة والمنظومة التعليمية، من اكتظاظ وضعف التأطير التربوي إلى تراجع دور الأنشطة الموازية التي كانت تساهم في صقل شخصية التلميذ. وفي الملاعب، يتغذى الشغب من ثقافة التعصب وغياب التأطير الرياضي الحقيقي، في ظل ضعف دور الأندية في تأطير جماهيرها وتركها عرضة لخطابات التحريض.
اليوم، لم يعد مقبولا التعامل مع هذه الظواهر بمنطق التجزيء أو التبرير. المطلوب هو مساءلة حقيقية للأحزاب السياسية التي تخلت عن دورها التربوي، ولجمعيات المجتمع المدني التي غاب تأثيرها، إلى جانب إصلاح عميق للمدرسة المغربية يعيد لها وظيفتها الأساسية كمجال للتربية قبل التعليم.
إن ما يحدث ليس مجرد انفلات عابر، بل مؤشر خطير على أزمة قيم وتأطير. وإذا لم يتم تدارك الأمر بسياسات عمومية شجاعة تعيد الاعتبار للتنشئة الاجتماعية السليمة، فإن المجتمع سيكون أمام موجات أشد من العنف، قد تتجاوز المدارس والملاعب إلى فضاءات أكثر خطورة.




