الرأي

رد على مقال الدكتور عبد الرحيم بوعيدة: المحاماة.. حقّ الممارسة وأمانة الاستقرار

 

ذ/ عبد اللطيف أيت بوجبير.

​سي بوعيدة.. الرجوع لله..

​لقد قرأنا كلماتكم التي تقطر بياناً، ولامسنا فيها حرص الأستاذ على “رسالية” المهنة، ونحن نشاطركم هذا العشق لهذا المعبد القانوني. لكن، وبينما تتحدثون عن “السياج”، دعونا نتحدث نحن عن “البيت” الذي يحتاج لتحصين، ليس انغلاقاً، بل تنظيماً وقوة.

​أولا: منطق “التنافي” لا “الإقصاء”:

​الأمر يا دكتور ليس صراعا بين أستاذ ومحام، بل هو إعمال لمبدأ قانوني دستوري وهو “المساواة أمام القانون”. الأستاذ الجامعي موظف عمومي يتمتع بوضع مادي مستقر، تعويضات، وتغطية صحية، بينما المحامي (وخاصة الشاب) يواجه المجهول يومياً بلا راتب قار.
فهل من العدل والإنصاف أن يزاحم من يملك “الأمان الوظيفي” شاباً لا يملك سوى بدلتَه في ملف مدني أو جنحي بسيط؟ الحرية التي تطالبون بها هي حرية “الممارسة”، لكنها تتنافى مع “الامتياز الوظيفي”.

​ثانيا: الجامعة للبحث والمحكمة للتفرغ:

​المحاماة اليوم في المغرب اختلفت عما كانت عليه قبل 30 سنة. نحن أمام جيل من الخريجين يواجه شبح البطالة. الأستاذ الجامعي مكانه الطبيعي هو مختبرات البحث العلمي والارتقاء بتكوين هؤلاء الطلبة.
أما القول بأن الأستاذ قيمة مضافة، فنحن نرد بأن المحامي الممارس أيضاً قيمة مضافة للجامعة، ومع ذلك يُسمح له بالتدريس فقط كـ “زائر” (Vacataire) ولا يُمنح كرسيّاً قاراً في الوظيفة العمومية. فبأي منطق نطلب الجمع بين “أجر الوظيفة” و”أتعاب المهنة الحرة”؟

​ثالثا: المحاماة ليست “فندقا” ولا “بقرة حلوبا”:

​قد يبدو للمراقب من بعيد أن المحاماة “تبيض ذهباً”، لكن الحقيقة المرة أن جُلَّ المحامين يعانون الهشاشة والفقر والمنافسة غير الشريفة من “السمسرة”.
​أين نضع خريجي الحقوق؟
​كيف نحارب البطالة إذا فتحنا الباب للقضاة المتقاعدين والأساتذة الميسورين؟
هل ندفع شبابنا نحو الهجرة السرية أو اليأس، بينما يجمع الأستاذ بين مجدين: مجد المنبر ومجد المحراب؟

​رابعا: القلب لا يسع حبيبين:

​سي بوعيدة، نحن لا نغلق الباب في وجه “العلم”، بل نغلق الباب أمام “الجمع بين صفتين متناقضتين”. من أراد من السادة الأساتذة ولوج المحاماة، فليقدم استقالته من الوظيفة العمومية وليتفرغ للمهنة، وحينها سنستقبله بالورود زميلا كامل الحقوق والواجبات.
أما الإصرار على الجمع بينهما، فهو “تغول” يضرب تكافؤ الفرص في مقتل.

​ختاما.. أنتم أساتذتنا ونحن نفتخر بكم، ونعلم أنكم كنتم السند لنا في قاعات المحاضرات. لكن المحاماة “رسالة” تتطلب التفرغ الكلي والالتحام اليومي بهموم المتقاضين، وليست “هواية” تمارس في أوقات الفراغ من الوظيفة.
​المحاماة يا دكتور ليست “سياجا فئويا”، لكنها أيضا ليست “فندقا” مفتوحا لكل عابر سبيل يملك لقبا علميا؛ هي مهنة لمن لا مهنة له غيرها، ولمن يقتات من عرق جبينه خلف قوس المحكمة فقط.

​مع كامل التقدير والمودة لرجالات الجامعة المغربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى