حمّى الانتخابات المبكرة: حين تتحول السياسة إلى سوق مفتوحة

لم يعد الحديث عن الانتخابات في المغرب مرتبطًا فقط بالمواعيد الدستورية أو الاستحقاقات الدورية، بل أضحى ظاهرة ممتدة زمنياً، تبدأ قبل الأوان بكثير، وتُمارس خارج سياقاتها الطبيعية. هذا ما تشهده اليوم جهة الدار البيضاء – سطات، حيث انطلقت “حمّى الانتخابات” بشكل مبكر وغير مسبوق، في مشهد يعكس تحولات عميقة في سلوك الفاعلين السياسيين وطبيعة التنافس الحزبي.
المثير في هذا الحراك المبكر، أنه لم يعد يقتصر على إعداد البرامج أو تأطير المواطنين، بل اتجه نحو سباق محموم لاستقطاب “المنتخبين الجاهزين”، أولئك الذين راكموا تجربة انتخابية، أو يمتلكون مفاتيح التأثير داخل دوائرهم. هؤلاء أصبحوا هدفاً للأحزاب، خصوصاً الغاضبين منهم، أو الذين تم تهميشهم، أو حتى “المطرودين” من تنظيماتهم الأصلية. وهنا، تتحول السياسة من فضاء للتنافس حول الأفكار إلى سوق مفتوحة لإعادة تدوير النخب.
في المقابل، لجأت بعض الأحزاب إلى تكثيف أنشطتها الإشعاعية، سواء بشكل مباشر أو عبر جمعيات تدور في فلكها، في محاولة لإعادة بناء حضورها الميداني واستمالة قواعد انتخابية جديدة. هذه الأنشطة، وإن بدت في ظاهرها اجتماعية أو ثقافية، إلا أنها تحمل في عمقها رسائل سياسية واضحة، وتُستثمر كأدوات تعبئة مبكرة.
غير أن أخطر ما يرافق هذه المرحلة هو الارتفاع المتوقع في كلفة التنافس الانتخابي. فكلما بدأ السباق مبكراً، ارتفعت معه النفقات، واتسعت دائرة “الاستثمار السياسي”، بما يحمله ذلك من مخاطر على نزاهة العملية الديمقراطية. وهنا يطفو على السطح دور “الشناقة”، الذين يعودون في كل موسم انتخابي بوجوه وأساليب مختلفة، ليتحولوا إلى وسطاء يبيعون الوهم ويُسوقون “الأحلام الوردية” للراغبين في دخول قبة البرلمان.
هذا الواقع يطرح أكثر من سؤال: هل نحن أمام تطور طبيعي للممارسة السياسية، أم أمام انزلاق نحو تسليع الانتخابات؟ وهل تستطيع الأحزاب استعادة دورها التأطيري الحقيقي، أم ستظل رهينة لمنطق الاستقطاب السريع والنتائج الآنية؟
في النهاية، تبقى الديمقراطية رهينة بمدى قدرة الفاعلين على احترام قواعد التنافس النزيه، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بدل تحويل الاستحقاقات إلى سباق مالي مفتوح. فالمواطن، الذي يُفترض أن يكون محور العملية الانتخابية، قد يجد نفسه مرة أخرى مجرد متفرج على “سوق سياسية” تُدار خلف الكواليس، بعيداً عن انتظاراته الحقيقية.




