الرأي

حديقة الحيوانات بعين السبع بين حدود التفويض ومبدأ المشروعية

قراءة قانونية في مشروعية إحداث مدينة ألعاب داخل مرفق عمومي

نور الدين ودي

 

تشكل حديقة الحيوانات بعين السبع أحد أهم المشاريع

العمومية التي شهدتها مدينة الدار البيضاء خلال السنوات الأخيرة ، بعد أن ظلت مغلقة لعقود قبل أن تخضع لإعادة تأهيل شاملة في إطار المشاريع الكبرى المندرجة ضمن برنامج تنمية المدينة ، تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية الرامية إلى الارتقاء بجودة المرافق العمومية وتعزيز جاذبية العاصمة الاقتصادية . وقد خصصت لهذا المشروع اعتمادات مالية ضخمة من المال العام ، بهدف إحداث مؤسسة حديثة للحفاظ على التنوع البيولوجي ، وصيانة الحياة البرية ، ونشر الثقافة البيئية ، وتوفير فضاء تربوي وترفيهي يحترم المعايير الدولية .

وقد أوكلت جماعة الدار البيضاء إنجاز المشروع إلى شركة الدار البيضاء للتهيئة (كازا تهيئة) ، قبل أن تعهد بتدبير المرفق إلى شركة الدار البيضاء للتنشيط (كازا تنشيط) في إطار التدبير المفوض ، والتي أسندت بدورها مهمة الاستغلال إلى شركة خاصة متخصصة .

ومن حيث المبدأ ، فإن اللجوء إلى التدبير المفوض يعد آلية قانونية مشروعة لتسيير المرافق العمومية ، شريطة احترام القواعد التي تؤطره ، وعلى رأسها الالتزام الصارم بعقد التدبير ودفتر التحملات ، باعتبارهما الوثيقتين المحددتين لحقوق والتزامات الطرفين ولنطاق النشاط المفوض.

غير أن ما يثير الانتباه اليوم هو شروع الشركة المفوض لها في تهيئة فضاء للألعاب الميكانيكية داخل حديقة الحيوانات ، باستعمال تجهيزات ضخمة وألعاب تحدث ضجيجا مستمرا ، وهو ما يطرح عدة تساؤلات قانونية ومؤسساتية حول مدى مشروعية هذا التوجه .

إن أول ما يفرض نفسه هو مبدأ التخصص الوظيفي للمرفق العمومي ، وهو من المبادئ المستقرة في الفقه والقضاء الإداري ، ومفاده أن كل مرفق عمومي ينشأ لتحقيق غاية محددة لا يجوز الخروج عنها إلا وفق الإجراءات القانونية المقررة . فحديقة الحيوانات ليست مدينة للألعاب ، وإنما مؤسسة بيئية وعلمية وتربوية أنشئت لحماية الحيوانات والمحافظة على التنوع البيولوجي ، وبالتالي فإن أي نشاط جديد ينبغي أن يكون مكملا لهذا الهدف ، لا أن يغير طبيعة المرفق أو يفرغه من مضمونه.

ومن هذا المنطلق ، يثور السؤال الجوهري : هل يتضمن دفتر التحملات أو عقد التدبير المفوض بندا يجيز إنشاء مدينة ألعاب داخل حديقة الحيوانات !!؟

فإذا كان الجواب بالإيجاب ، فمن حق الرأي العام الاطلاع على هذا الأساس القانوني الذي سمح بهذا التغيير .

أما إذا كان الجواب بالنفي ، فإن الأمر قد يشكل تجاوزا لحدود التفويض، لأن المفوض له لا يملك قانونا تعديل موضوع العقد أو توسيع نطاق الاستغلال بإرادته المنفردة ، وإنما يبقى ملزما بالاختصاصات المحددة في العقد، ولا يجوز إدخال أي تعديل جوهري إلا بموافقة السلطة المفوضة ووفق المساطر القانونية المعمول بها، وبعد عرض الأمر على مجلس جماعة الدار البيضاء متى تعلق الأمر بتعديل شروط استغلال مرفق عمومي مملوك للجماعة.

كما يطرح هذا المستجد إشكالا قانونيا آخر يرتبط باختصاصات مجلس جماعة الدار البيضاء باعتباره الجهة المالكة للمرفق العمومي . فالمجلس هو الذي صادق على مشروع إعادة التهيئة ، وهو الذي وافق على أسعار الولوج ، كما وافق على الدعم المالي السنوي المخصص للمرفق ، وعلى استغلال بعض المرافق الملحقة ، كالمقهى والمقصف ومرآب السيارات ، باعتبارها أنشطة مرتبطة مباشرة بخدمة الزوار وتمويل جزء من تكاليف التسيير.

أما إنشاء مدينة ألعاب ، فإنه لا يدخل ، من حيث الظاهر ، ضمن هذه المرافق التكميلية، بل يمثل نشاطا مستقلا يختلف من حيث الطبيعة والأهداف ، الأمر الذي يقتضي التساؤل حول ما إذا كان قد عرض أصلا على المجلس الجماعي للمصادقة ، أم أنه تم بقرار إداري أو باتفاق بين الشركة المفوضة والجهة المفوضة دون المرور عبر المؤسسة المنتخبة صاحبة الاختصاص.

ومن زاوية أخرى ، فإن الجمع بين حديقة للحيوانات ومدينة ألعاب ميكانيكية يثير إشكالات بيئية لا يمكن تجاهلها ، لأن الضجيج والاهتزازات والحركة المستمرة تشكل عوامل ضغط تؤثر في سلوك الحيوانات وصحتها ، وهو ما يتعارض مع المبادئ العلمية المعتمدة في تدبير حدائق الحيوانات الحديثة، التي تقوم على توفير بيئة هادئة وآمنة للكائنات الحية. ولا يمكن الجمع بين النشاطين إلا إذا كانت المساحة شاسعة بما يسمح بعزل كل نشاط عن الآخر، وهو ما يستوجب إنجاز دراسات تقنية وبيئية دقيقة قبل الترخيص بمثل هذا المشروع.

ثم إن السؤال الذي يفرض نفسه أيضا هو : هل حصلت هذه الألعاب على جميع الرخص القانونية المطلوبة؟ وهل أنجزت بشأنها دراسة للأثر البيئي والسلامة؟ وهل تم احترام ضوابط التعمير والتجهيزات الخاصة باستقبال هذا النوع من المنشآت داخل مرفق عمومي مخصص أصلا لغرض مختلف؟

ولا يقل أهمية عن ذلك البعد المالي للمسألة، إذ إن المرفق يستفيد من دعم سنوي من المال العام، إضافة إلى مداخيل التذاكر والمقاهي والمرافق التجارية، مما يجعل البحث عن موارد إضافية أمرا مفهوما، لكنه لا يمكن أن يبرر تغيير طبيعة المشروع أو تحويله تدريجيا إلى فضاء تجاري مفتوح، لأن المال العام الذي مول إنشاء الحديقة لم يكن هدفه إنشاء مدينة ألعاب، وإنما إنشاء مؤسسة بيئية وتربوية تخدم الصالح العام.

ولا يخفى أن مدينة الدار البيضاء تتوفر أصلا على فضاءات مخصصة للألعاب والترفيه، سواء بكورنيش عين السبع أو بنادي التبغ أو بمواقع أخرى، الأمر الذي يجعل التساؤل مشروعا حول الحاجة إلى إدخال هذا النشاط داخل حديقة الحيوانات، وما إذا كان الدافع الحقيقي هو تحسين جودة الخدمة العمومية أم البحث عن مردودية تجارية أكبر.

إن احترام مبدأ المشروعية يقتضي أن يظل كل مرفق عمومي وفيا للغاية التي أحدث من أجلها، وأن يخضع أي تغيير جوهري في طريقة استغلاله لموافقة السلطة المختصة، وفي مقدمتها المجلس الجماعي، مع تمكين الرأي العام من الاطلاع على القرارات والوثائق التي تؤطر ذلك، تكريسا لمبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليها في دستور المملكة.

وخلاصة القول ، فإن الجدل الدائر اليوم لا يتعلق بمعارضة الاستثمار أو التنشيط الاقتصادي، وإنما يتعلق باحترام القانون ، وصيانة المال العام ، وحماية وظيفة المرفق العمومي من أي انحراف عن أهدافه الأصلية. ولذلك فإن من حق المواطنين ، ومن حق المنتخبين ، ومن حق جمعيات حماية البيئة والرفق بالحيوان ، أن يطالبوا بتوضيح رسمي حول الأساس القانوني الذي سمح بإقامة مدينة ألعاب داخل حديقة الحيوانات بعين السبع ، والكشف عما إذا كان ذلك منصوصا عليه في عقد التدبير ودفتر التحملات ، وما إذا كانت جميع الموافقات القانونية والبيئية قد استوفيت قبل الشروع في تنفيذ هذا المشروع. فالمشروعية والشفافية ليستا خيارا ، بل هما جوهر دولة القانون والمؤسسات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى